نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - القسم الثالث حقيقة الدنيا
عبر عنها الإمام عليه السلام بالغرور الحائل، لأنّ الغرور بالضم من لوازم الجمال الظاهري، أمّا الغرور بالفتح تعنى الشخص الخادع ومن هنا اطلق الغرور على الشيطان. ولما كانت أمتعة الدنيا براقة فقد عبرعنها الإمام عليه السلام بالضوء، إلّاأنّ هذا البريق ليس له دوام وسرعان ما يخفت، الأمر الذي جعل الإمام عليه السلام ينعت ذلك الضوء بالآفل. وتتصف بظلها الوداع المؤقت كظل شعاع الشمس على الأشجار الذي سرعان ما ينقشع ويزول، ومن هنا فان الظل الزائل الذي تمثله أمتعة الدنيا يمكن أن يكون ركنا يوثق به، غير أنّه ركن خاو، ولذلك عبر عنه عليه السلام بالسناد المائل. ثم أشار عليه السلام إلى سائر خصائص الدنيا، وبعبارة أخرى فانّه تعرض للصفات المذكورة بتشبيهات وتعبيرات جديدة فقال عليه السلام:
«حتى اذا أنس نفارها، واطمان ناكرها، قمصت [١] بأرجلها، وقنصت [٢] بأحبلها [٣]، وأقصدت بأسهمها [٤]»
فقد صور الإمام عليه السلام الدنيا ووضعها بثلاثة تشبيهات: الأول شبه الدنيا بمركب طيب الظاهر، إلّاأنّه سرعان ما يجمع ويطرح راكبه أرضاً. ثم شبهها بالصياد الذي يرمي بشباكه وينثر فيها حبوب فخه فاذا إقترب صيده لم يجدله من سبيل إلى الهرب، وأخيراً شبهها بالصياد الذي يكمن في الطريق فاذا شاهد صيده صوب إليه سهامه.
والجدير بالذكر في العبارة
«حتى إذا أنس نافرها ...»
انها تشير إلى حقيقة وهى أنّ خداع الدنيا ليس بالشئ إلهين الذي يمكن تجاوزه بسهولة، بل تجر إليها أحياناً حتى الزهاد والعباد لتلقي بهم في حبائلها وشباكها، ومن هنا ينبغي أن يلتفت الجميع إلى مدى خطورة هذه الدنيا الغرارة والمداومة على هذا الذكر:
«اللّهم لاتكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا».
ثم أشار عليه السلام إلى عاقبة أمر الإنسان فقال:
«وأعلقت المرء أوهاق [٥] المنية قائدة له إلى ضنك المضجع [٦]،
[١] «قمصت» من مادة «قمص» على وزن شمس بمعنى رفع اليدين وطرحهما معاً ومنه قمص الفرس، كماتستعمل هذه المفردة كناية عن الذل بعد العز.
[٢] «قنصت» من مادة «قنص» بمعنى الصيد والقانص الصياد.
[٣] «أحبل» جمع حبل.
[٤] «أسمهم» جمع سهم وجمعه الآخر سهام.
[٥] «أوهاق» جمع «وهق» على وزن شفق بمعنى الحبل الذي يربط به عنق الإنسان أو الحيوان.
[٦] «ضنك المضجع»، ضنك يعني ضيق ومضجع الموضع الذي يضع الإنسان عليه ضلعه، والمراد به في العبارة القبر.