نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - القسم الثالث الإنسان والغفلة
التّوبة ليسوّفها [١] إذا هجمت منيّته عليه أغفل ما يكون عنها»
واستناد إلى أنّ جملة
«أغفل ما يكون عنها»
حالية فمفهوم العبارة هو أنّ مثل هذا الإنسان الأسير للشهوات والوساوس الشيطانية يكون في أشد مراحل الغفلة إذا هجم عليه الموت، فان فتح عينه وأفاق إلى نفسه لايرى أمامه إلّاالأجل وقد سبق السيف العذل. كما يحتمل إلّاتكون إذا شرطية في العبارة وتفيد المفاجئة والمباغتة، فيكون مفهوم العبارة
«يباغته الموت، وهو في أشد حالات الغفلة»
وبالطبع فانّ نتيجة كلا التعبيرين واحدة وهى حلول الموت دون الاستعداد له. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«فيالها حسرةً على كلّ ذي غفلةٍ أن يكون عمره عليه حجّةً، وأن تؤدّيه أيّامه إلى الشّقوة!»
. أجل ليس هناك رأس مال أعظم من ساعات عمر الإنسان وأيامه، فلعل ساعة من الساعات تقود الإنسان إلى ذروة الكمال والعظمة والمجد فيخرج الإنسان فيها على غرار الحربن يزيد الرياحي من زمرة الأشقياء ليلتحق بصفوف الصالحين والشهداء. أو يغتنم لحظة فيسدد ضربة موجعة لجسد الكفر بحيث يكون ثوابها أفضل من عبادة الثقلين، (كما صرح بذلك رسولاللَّه صلى الله عليه و آله بشأن ضربة علي عليه السلام يوم الخندق)، أو يبيت ليلة على فراش ليكسب تجارة عظيمة الربح والفائدة، كالليلة التي بات فيها أميرالمؤمنين علي عليه السلام على فراش رسولاللَّه صلى الله عليه و آله ليلة الهجرة. فلو غفل الإنسان عن قيمة هذه الساعات وا للحظات في حياته ولم يستشمرها بما يعادلها، أفلا يدعو ذلك إلى الاسى والحزن، ومن هنا أعرب الإمام عليه السلام عن أسفه وعمق حسرته على مثل هذا الإنسان وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام خطبته بهذا الدعاء العظيم:
«نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لَاتبطره [٢] نعمَةٌ وَلَا تقَصّر به عن طاعة ربّه غايةٌ، ولَاتَحلّ به بَعدَ المَوت نَدَامَةٌ وَلَا كَآبَةٌ [٣]».
فالإمام عليه السلام يعلم الجميع ثلاثة دروس بهذه العبارت التي أوردها بصيغة الدعاء: الأول
[١] «يسوفها» من «التسويف» بمعنى التأخير في العمل واصل العبارة «سوف أفعل كذا».
[٢] «تبطر» من مادة «بطر» على وزن نظر بمعنى بقر الشئ ومنه «البيطار» الذي يبقر بطن الحيوان، ثم أطلق علىكل طغيان وتجاوز للحد في السرور عند إقبال النعم، ويمكن القول بان البطر السكر والغرور الذي تفرزه النعمة، فالعبارة تعني لاتطغيه ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه.
[٣] «كآبة» على وزن خرابة لها معنى المصدر وإسم المصدر وتعني الامتعاظ والانكسار من الهم والحزن، وقيل تطلق على الامتعاظ من الحزن الظاهر على الوجه.