نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - القسم الثاني دور التقوى في تقرير مصير الإنسان
الشريفة تشير إلى التقوى [١] ثم قال عليه السلام:
«وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد لكم الجزاء»
طبعاً إذا التفت الإنسان إلى هذه المسألة وهى أنّ الحساب الإلهي دقيق- وكأنّه قلعة محكمة يصعب إختراقها حيث لايسع أي عمل أو قول صدر من الإنسان أن يفلت من الحساب، كما أنّ كل قول وعمل إنّما يحمل جزائه معه، فان هذا الأمر سيدعوه إلى الورع والتقوى وإجتناب معصية أوامر اللَّه سبحانه، والعبارة:
«أحاط بكم الاحصاء»
المستقاة من الآية الكريمة: «وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً» [٢] إنّما هى عبارة رائعة تشير إلى أنّ الإنسان قد خضع لدائرة الاحصاء الإلهي بحيث لايصدر منه شيئاً دون حساب، والعبارة:
«أرصد لكم الجزاء»
تصور الثواب والعقاب كمراقب كمن للإنسان بحيث لايغادر أي عمل صدر منه، ثم قال عليه السلام:
«وآثركم بالنعم السوابغ، والرفد [٣] الروافغ، [٤] وأنذركم بالحجج البوالغ»
الايثار تفضيل الشخص على النفس أم الآخرين، ومنه ماورد في الآية ٩١ من سورة يوسف:
«تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا»
. أمّا ما تصوره بعض شرّاح نهجالبلاغة من أنّ الايثار تقديم الآخر على الذات، أو فيما يحتاجه المؤثر ليس بمستقيم، ولما لايمكن تصور أي من هذين المعنيين على اللَّه فليس من الصواب الاتجاه نحو المعنى المجازي. [٥] على كل حال فان المراد بالعبارة هو أنّ اللَّه سبحانه قد فضل الإنسان على سائر مخلوقاته وأفاض عليه نعمه وكراماته؛ الأمر الذي صرح به القرآن الكريم: «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا» [٦]. فاذا إلتفت الإنسان إلى هذا النعم الإلهية بما فيها تفضيله على سائر المخلوقات، سيثار لديه حس الشكر، وكما أوردنا سابقاً فانّه سيتجه
[١] هنالك خلاف بين مفسري القرآن وشرّاح نهجالبلاغة بشأن محل إعراب (ريشا) فعدها البعض عطفاً علىلباساً ومن هنا فسروها بشئ أوسع أو مغاير للباس، بينما اعتبرها البعض الآخر (مفعول له) تبين هدف نزول اللباس على الإنسان وهو ستر العيوب ثم الزينة، ويبدو المعنى الأخير أكثر إنسجاماً مع الآية الشريفة.
[٢] سورة الجن/ ٢٨.
[٣] «رفد» جمع «رفد» على وزن دفع بمعنى نصيب، وعطاء وجائزة.
[٤] «روافغ» جمع «رافغة» من مادة «رفغ» وكما أشرنا سابقاً فانها تعني السعة والرفعة.
وعلى هذا الاساس فان «الرفد» و «الروافغ» تأتي بمعنى عطايا الله سبحانه وتعالى.
[٥] جاء في مقاييس اللغة أنّ أصل هذه المفردة يعنى تقديم الشئ هذا ما صرح به الراغب في مفرداته. وقالفي كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم: «حقيقة الايثار إثبات الفضيلة وتقديم صاحب الفضل».
[٦] سورة الاسراء/ ٧٠.