نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - القسم الثاني دور التقوى في تقرير مصير الإنسان
والنواهي الإلهية بحيث يكون مفهومها قريباً لدى النفس ولا تبقى ألغاز المفاهيم المعقدة. ثم قال عليه السلام:
«ووقت لكم الآجال»
فلكل عمر وأجل معين وقد خط الموت والفناء على جبين الجميع، سواء كان هذا الأجل هو النهاية القطعية للحياة؛ أي الأجل المسمى، أو النهاية المشروطة؛ أي الأجل المحتوم. فقد قال سبحانه وتعالى: «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» [١] وقال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» [٢].
ومن البديهي أن يتجه الإنسان نحو التقوى حين يلتفت إلى تقلب الحياة الدنيا وقصر العمر. ثم قال عليه السلام:
«وألبسكم الرياش [٣] وأرفغ [٤] لكم المعاش»
حيث طرح الإمام عليه السلام مسألة اللباس من بين جميع النعم ثم أشار إلى كافة نعم الحياة والعيش، ولعل كون اللباس من أهم النعم، الذي لايقتصر على حفظ الإنسان من البرودة والحرارة ويصونه من الأخطار والصدمات التي تتهدده ويستر عيوبه فحسب، بل لأنّ القرآن شبه التقوى باللباس في آياته، ومن هنا كان هنالك تناسب مع أصل الحديث عن التقوى، وهذا ماحدا بالإمام عليه السلام إلى تقديم الخاص قبل العام في إطار حديثه عن النعم. والجدير بالذكر أنّ وجود هذه النعم الفضيلة الواسعة التي عمت حياة الإنسان لهي الدافع لمعرفة اللَّه وبالتالي تقواه. فكيف يعرف الإنسان هذه النعم ولا يجّد في رعاية حرمة وليها. فقد ورد في القرآن الكريم قوله سبحانه: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» [٥]. يذكر أن لريش الطيور ألوان مختلفة وجمالية خاصة، ومن هنا فانّه يعني الزينة أيضاً، ولما كانت التقوى تستر عيوب الإنسان وتحفظه من وساوس الشيطان وهى زينة له، فانّ مفردة اللباس في الآية
[١] سورة الاعراف/ ٣٤.
[٢] سورة الرحمن/ ٢٦.
[٣] «الرياش» من مادة «ريش» ظاهر اللباس، كما اطلق على كل نعمة موفورة. وقال بعض شرّاح نهجالبلاغة أنّالريش لايعني ظاهر اللباس فقط، فقد ورد في الآية ٢٦ من سورة الأعراف: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً» ولكن يبدو أنّ الآية تدل على عكس مراده لأنّ اللباس على نوعين: لباس يغطي بدن الإنسان مصداق (يواري سواتكم) ولباس الزينة. وقد أشار القرآن إلى الأمرين، ثم اتبعه بالحديث عن لباس التقوى «ولباس التقوى ذلك خير».
[٤] «أرفغ» من مادة «رفغ» على وزن هدف بمعنى أوسع، أوسع عليكم النعم.
[٥] سورة الأعراف/ ٢٦.