نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - القسم الأول البعيد القريب والعالي الداني
في علوه، وعلوه معلول لقدرته، بينما قربه معلول لنعمته ومنته. ثم أشار في العبارة الثانية إلى أنّه مصدر البركات الذي يفيض الغنيمة والفضل على العباد، وفى نفس الوقت يكشف عنهم الكرب والبلاء، وكيف لايرتجى منه ذلك وهو ما عليه من القدرة واللطف والمحبة. ولعلنا نلمس هذا المعنى في الآية القرآنية الكريمة: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ». [١]
ومن البداهة أنّ غير اللَّه- لأنّ قدرته محدودة- لايسعه أي نعمة أو فضل، كما لايستطيع أن يدفع أي بلاء أو ضرر، وليس هنالك مثل هذه الاستطاعة والقدرة سوى للذات المقدسة. ثم يخوض عليه السلام في علية الحمد والثناء، بعبارة اخرى كان الحديث في العبارات السابقة عن صفات المنعم، أمّا هنا فقد جرى الحديث عن النعم:
«أحمده على عواطف كرمه، وسوابغ [٢] نعمه»
فالواقع هو أنّ للنعم الإلهية صفتان وسيعة شاملة ودائمة مستمرة. وليس هذا سوى لقدرته وكمال لطفه الذي أغرق الإنسان بوابل نعمه ولم يقطعها عنه طرفة عين، ثم قال عليه السلام:
«وأومن به أولًا بادياً [٣]، وأستهديه قريباً هادياً، وأستعينه قاهراً قادراً، وأتوكل عليه كافياً ناصراً»
فالإمام عليه السلام يقرن كل شئ بدليله، فالإيمان به لكونه سابق كل شئ في الوجود وهو واجب الوجود وقد عمت آثاره كافة ارجاء العالم، كما يستدل على سؤاله الهداية لأنّه الهادي للعباد وهو قريب منهم قادر على هدايتهم. ولما كان الركن الثاني للإيمان- بعد الاقرار للَّه بتوحيد- الشهادة بالنبوة قال عليه السلام:
«وأشهد أن محمداً- صلى اللّه عليه وآله- عبده ورسوله».
ثم أشار عليه السلام إلى الوظائف الثقيلة للنبوة ليوجزها بثلاث عبارات:
«أرسله لانفاذ أمره، وإنهاء عذره، وتقديم نذره» [٤]
. فالعبارة الاولى إشارة إلى قيام النبي صلى الله عليه و آله ودعوته الامّة إلى الإيمان باللَّه، والعبارة الثانية إلى اتمام الحجة بواسطة إبلاغ أحكام اللَّه واستعراض الأدلة العقلية والمعجزات، والعبارات الثالثة إشارة إلى بيان العذاب الإلهي في الدنيا والآخرة لُاولئك الذين يعصون أوامر اللَّه سبحانه.
[١] سورة النحل/ ٥٣.
[٢] «سوابغ» جمع «سابغة» بمعنى الواسع والكامل وقد ورد تفسير هذا الاصطلاح في شرح الخطبة ٦٣.
[٣] بادياً أي سابقاً كل شئ من الوجود، ظاهراً بذاته مظهرا لغيره، والبادي من بدو بمعنى الظهور والبداية، فاللَّهبادئالوجود، كما أنّ آثاره ظاهرة عمت السموات والأرض.
[٤] «نذر» جمع «نذير»، وردت هنا بمعنى الايات والأخبار التي تحذر من معصية اللَّه.