نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - القسم الثاني الزاد إلى المعاد
القسم الثاني: الزاد إلى المعاد
«فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهاقِ أَجَلِهِ، وفِي فَراغِهِ قَبْلَ أَوانِ شُغُلِهِ، وفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ، ولْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ، لْيَتَزَوَّدْ مِنْ دارِ ظَعْنِهِ لِدارِ إِقامَتِهِ. فاللَّهَ اللَّهَ أَيُّها النَّاسُ، فِيما اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتابِهِ، واسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى ولَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهالَةٍ ولا عَمًى، قَدْ سَمَّى آثارَكُمْ، وعَلِمَ أَعْمالَكُمْ، وكَتَبَ آجالَكُمْ».
الشرح والتفسير
لفت الإمام عليه السلام الانتباه سابقاً إلى قدرة اللَّه وعلمه بخفايا الكائنات وأسرار الضمائر، وما ذلك إلّامقدمة لما أورده هنا:
«فليعمل العامل منكم في أيّام مهله [١] قبل إرهاق [٢] أجله، وفي فراغه قبل أوان شغله، وفي متنفّسه [٣] قبل أن يؤخذ بكظمه [٤]»
ثم بين عليه السلام الهدف من هذا الجهد والعمل فقال:
«و ليمهّد لنفسه وقدمه، وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته»
فالواقع هو أنّ العبارات السابقة تحدثت عن أصل السعي والعمل، بينما عينت الأخيرة مساره وجهته.
جدير بالذكر أنّ العبارة
«أيام مهله»
فسّرت بالعبارات الثلاث اللاحقة، فالعبارة الاولى
«قبل إرهاق أجله»
إشارة إلى أصل نعمة الحياة والعمر، والعبارة الثانية
«وفي فراغه»
إشارة إلى
[١] «مهل» على وزن اجل بمعنى المداراة والمهلة.
[٢] «إرهاق» من مادة «رَهَقْ» على وزن شفق بمعنى الغشية والتغطية والسيطرة، ومن هنا فان الأجل اذا جاء للانسان فانه يسيطر على كافة وجوده، وقد استفيد من هذا التعبير في الخطبة أعلاه بمعنى الأجل.
[٣] «متنفس» من مادة «تنفس» زمان الاتساع والراحة.
[٤] «كَظَم» على وزن قلم بمعنى المضيق ومجرى التنفس.
و «كَظْم» على وزن هضم، وله معنى مصدري بمعنى حبس النفس، ويستعمل كناية عن ضبط النفس عند الغضب، وما شابه ذلك.