نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - القسم الثاني خصائص المخلصين
ما يقولون ويكتبون بهالة من التعقيد والابهام ليفهموا الآخرين بمستواهم العلمي، والحال لايجني القارئ أو المستمع سوى المفاهيم المغلقة التي لاجدوى من ورائها؛ أمّا العلماء المخلصون فلا يصابون بهذه الأمراض، فهم لايرومون من كلامهم سوى هداية الطرف المقابل، أمّا سكوتهم فلا يستند إلى الهروب من المسؤولية والخلود إلى الراحة والدعة، بل لايرومون من سكوتهم سوى السلامة من الخطيئة والاثم ومجانبة الهوى ومعصية اللَّه. ثم أشار عليه السلام إلى مقام هذا العارف الإلهي فقال:
«قد أخلص للّه فاستخلصه»،
يمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ الشوائب الأخلاقية للإنسان على قسمين: قسم قابل للرؤية ويمكن التغلب عليه من خلال الجهاد الأكبر وإصلاح النفس، بينما يتعذر رؤية القسم الآخر. واللَّه سبحانه في عون من ينتصر في المرحلة الاولى. وقد صورت الروايات الإسلامية الشرك بأعظم صورة حيث قالت:
«إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل، على صفاة سوداء، في ليلة ظلماء» [١]
. ومن الطبيعي أن تطهير القلب من هذا الشرك لايبدو سهلًا إلّافي ظل العناية الإلهية. ثم أردف الإمام عليه السلام تلك الصفات الثلاث بصفتين فقال:
«فهو من معادن، دينه وأوتاد عرضه»،
نعم من خلص كيانه من كل الجوانب وكان عمله هو التربية والتعليم فهو بمنزلة المعدن الذي لايفنى والذي تستخرج منه المجوهرات والفلزات الثمينة، وهو كالجبل الراسخ الذي لاتزعزعه عواصف الشرك ورياح الذنوب والمعاصي والوساوس والمكائد الشيطانية التي تتقاذف الإنسان وتلقى به في مهالك الردى، وقد عبر عنه القرآن الكريم بوتد الأرض الذي يحفظها من الزلازل: «ألم نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً* وَالجِبالَ أَوْتاداً» [٢] وتشبيه هذا العالم الرباني والعبد المخلص بالجبل الي يمثل وتد الأرض تفيد عظم بركته على المجتمع الإسلامي.
فمثل هذا الفرد هو الذي يحفظ المجتمع الإسلامي من عواصف الانحراف والفساد. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى أربع صفات اخرى من صفات هذا العالم الرباني فقال:
«قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه»
فنحن نعلم بأنّ حقيقة العدل الخلقي أن تكون كافة صفات ومميزات الفرد منسجمة وحد الاعتدال والاتزان، بحيث لاتنطوي
[١] بحارالأنوار ٦٩/ ٩٣.
[٢] سورة النبأ/ ٦- ٧.