نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٤ - القسم الثاني خصائص المخلصين
جعلته قادراً على الرد على كل ما يطرح من سؤال وإستفسار. كما تتضمن العبارة تلميحاً إلى عدم وجود سؤال في الدين لايحمل جواباً، كما ليس هنالك من مشكلة في المعارف الإلهية والأحكام الفرعية دون حلول؛ الأمر الذي أكده رسولاللَّه صلى الله عليه و آله في خطبته المعروفة في حجةالوداع، إذا قال:
«يا أيها الناس! واللّه ما من شئ يقربكم من الجنّة، ويباعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنّة، إلا وقد نهيتكم عنه» [١]
، وهو ما تعارف في فقه الإمامية بعنوان:
«ليس هنالك من واقعة إلّاوللّه فيها حكم».
والعبارة
«تصيير كل فرع إلى أصله»
تشير في الواقع إلى التعريف الذي ذكره علماء الدين للاجتهاد والاستنباط، حيث صرحوا بأن حقيقة الاجتهاد هى:
«رد الفروع إلىالاصول»؛
أي الاجابة على كل فرع بالاستفادة من القواعد والاصول الكلية المستقاة من الكتاب والسنة ودليل العقل، والمجتهد من يعلم بأنّ الفرع لأيأصل يعود. كما تشير العبارة ضمنياً إلى فتح باب الاجتهاد في كل مكان وزمان، وقد بينت شرائط المجتهد من حيث العلم والعمل في الابحاث السابقة. ثم قال عليه السلام:
«مصباح ظلماتٍ، كشّاف عشواتٍ [٢] مقفتاح مبهماتٍ، دفّاع معضلاتٍ، دليل فلواتٍ» [٣].
فقد كشف الإمام عليه السلام بهذه الصفات الخمس كيف يخترق هذا العبد المخلص الورع والمتقي حجب الجهل الظلمانية، فيكشف ما خفي من المعارف، ويفتح أقفال الغوامض والمبهمات ويحل مشاكل الناس، كما يهدي الناس إلى الحق والنجاة في صحراء الحياة المليئة بالحيرة والضلالة وخشية الوقوع في مخالب اللصوص وقطاع الطرق. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالحديث عن خمس صفات اخرى لهذا العالم الرباني فقال:
«يقول فيفهم، ويسكت فيسلم»
. نعم كلامه هادف، وسكوته هو الآخر هادف أيضاً، فهو يتكلم حيث لابدّ من الكلام، بينما يسكت حين يخشى الذنب والمعصية من جراء الكلام، فكلامه وسكوته للَّه ولايهدف فيها سوى رضاه. فالحق إننا نعرف بعض الأفراد الذين يسعون جاهدين لاحاطة
[١] اصول للكافي ٢/ ٧٤ ح ٢.
[٢] «عشوات» جمع «عشوة» مايقدم عليه الإنسان من عمل جهلا، ومن الواضح أنّ نتيجة مثل هذا العمل هىالندامة، وكشاف عشوات من يطرح حجب الجهل وينجي أهل الضلالة.
[٣] «فلوات» جمع «فلاة» وهى الصحراء الواسعة، مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق، ودليلالفلوات العالم بها.