نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - عظم الشكوى من الاصحاب الضعفاء
إعتادوا على الراحة والرفاه ولذة العيش، وهذا هو سبب ذلهم وهوانهم وجرأة العدو عليهم. ثم قال عليه السلام
«وإنّي لعالمٌ بما يصلحكم، ويقيم أودكم، [١] ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي»
. فقد ذكر الشرّاح تفسيرين لهذه العبارة لايتنافيان مع بعضهما، ولعل كلاهما صادق:
الأول أنّه أستطيع أن أفعل مايفعله معاوية ويستيمل زعماء القبائل والناس بأموال بيت مال المسلمين، الا أني لا أفعل ما يسخط اللَّه، ولا اقيم دعائم حكومتي على حساب الفقراء والضعفاء وهضمهم حقوقهم، والثاني يمكنني أن أفعل ما يفعله الآخرون من حملكم بالقوة على قتال العدو. فقد جاء في كتاب الغارات أن الإمام عليه السلام خاطب أهل الكوفة قائلًا:
«و اللّه لقد ضربتكم بالدّرة الّتي أعظ بها السّفهاء فما أراكم تنتهون، ولقد ضربتكم بالسّياط الّتي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون، فما بقى إلّا سيفي! وإنّي لاعلم الّذي يقوّمكم بإذن اللّه و لكنّي لا أحبّ أن آتى تلك منكم» [٢]
. ونموذج ذلك قد تمثل بالحجاج حين هجم جيش المهلب (أحد زعماء الخوارج) وسدد ضرباته القاصمة لحكومة بني أمية، فبعث الحجاج من نادى بالكوفة من تخلف عن قتال جيش المهلب اخربت داره على رأسه وضربت عنقه بالسيف، ولم يستثن من ذلك حتى الكهول والمرضى. وبالطبع فقد عمل بذلك عدد من المستبدين من قبل الحجاج وبعده. فالإمام عليه السلام يشير إلى سهولة اللجوء إلى هذا الاسلوب، إلّاأنّه لايليق بشأنه وعلو منزلته، وانّه لايفعل ذلك لأنّه يفسد دينه. وهنا يطرح هذا السؤال: أو ليس الدفاع عن الحكومة الإسلامية وقتال أعدائها واجباً؟ فلم لايحمل الناس قهراً على القتال؟ والجواب على هذا السؤال يتضح من خلال ذكر هذه المسألة، وهى أنّ أصل هذا العمل صحيح، وللحكومة الإسلامية أن تلجا إلى القوة في مثل هذه الحالة، إلّاأنّ هذا الأمر يستلزم عدّة تبعات قد تكون في نهاية الأمر مخالفة لأحكام الشرع، ونموذج ذلك واضح في قضية الحجاج الذي كان يضرب بالسيف البري والمذنب على حد سواء. أضف إلى ذلك فانّ هذا العمل قد يستبطن بعض ردود الفعل السلبية من البعض واساءتها لفهم القوانين الإسلامية، وذلك لعدم قبول هذا العمل من قبل الجميع، ولعل بعض الضغوط تدعو البعض إلى الردة والتمرد على أحكام الدين والقرآن.
[١] «أوَد» من ماة «أود» على وزن قول بمعنى العوج. و «اوَد» على وزن سند، ويطلق على الاعوجاج ب «الاوَد».
[٢] الغارات ١/ ٤٢.