نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - القسم السابع الجميع يدين له بالفضل
مصدر سعادة الإنسان وتوفيقه وفلاحه، حيث أنّ ليلة من ليال العمر التي بات فيها أميرالمؤمنين عليه السلام- والتي تعرف بليلة المبيت- على فراش رسولاللَّه صلى الله عليه و آله ليفديه بنفسه وينجو من مؤامرة الكفار فأصابه عليه السلام ما أصابه من الفضل ببركة تلك الليلة. وأما ضربته لعمر بن عبدود العامري في الخندق والتي كانت أفضل من عبادة الثقلين، فلم تكن سوى سويعة من عمر الإمام عليه السلام. وأما شهداء الغاضرية الذين صنعوا أكبر ملحمة عرفها التأريخ البشري ليصبحوا كعبة للثوار وطلاب الحق فلم تكن سوى نهاراً من عمرهم المبارك. نعم فنعمة العمر من أعظم نعم اللَّه على الإنسان. وقد إقتضى لطف اللَّه وحكمته أن يخفى مدة هذا العمر عن الإنسان، لما ينطوي العلم به من مفاسد فقد قال الإمام الصادق عليه السلام:
«فالإنسان لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه، بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر، على أنّ الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال لأن من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس، وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل على أنّه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لايرضاه اللّه من عباده ولايقبله ومن هنا حجب الإنسان عن معرفة العمر ليعيش دائما بين الخوف والرجاء. [١]
ونخلص من هذا إلى أنّ ساعات العمر وأيامه نعمة، وهكذا حجب مقداره عن الإنسان نعمة اخرى.
وأمّا النعمة الثانية: وتتمثل بالاعتبار بالامم الماضية وما عليه الكبار، وما بقى من القصور والقبور والآثار، فهى نعمة إلهية كبرى؛ وذلك لأنّ النظر بعين العبرة لهذه الآثار يزود الإنسان بالتجربة وكأنه عمرعمرا مديداً ليكون مع تلك الأمم والأقوام وقد تجرع حلاوة الحياة ومرارتها. فتأريخ الامم الماضية مادة للدروس والعبر، وللإنسان أن يحدد مصيره على ضوء
[١] بحارالأنوار ٣/ ٨٣ (بتصرف).