نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - ٣- تزيين الشيطان
الذي يطرح نفسه هنا: لماذا وكيف تخدع المال الإنسان فيعيش أفضل ساعات عمره في الوهم والخيال الفارغ؟ ونقول في الجواب أنّ دائرة الآمال ليست محدودة قط، فالكثير يعتقد أنّه سينام مطمئن البال من ناحية السكن على الدوام إذا ما حصل على دار متواضعة، فلا تمر عليه مدّة حتى يراها صغيرة ضيقة، فاذا إنتقل إلى دار أوسع رآها هى الاخرى لا تتناسب وشأنه، بل هنالك الكثير من الأفراد الذين يمتلكون القصور ولم تظمأ جذوة عطشهم المتقدة دائما فما زالوا يطمحون إلى قصر أفخم وأعظم. وزبدة الكلام فلو اعطي الإنسان جبلين من ذهب لابتغى لهما ثالثاً. وبالطبع لا تقتصر هذه الامال على مجال دون آخر، بل هى عامة وشاملة لا تدع صاحبها يستريح ولو لبرهة فتهدر جميع طاقاته وتبدد قواه وتشدها إليه، والحال ليست هذه الآمال سوى خيالات موهومة كاذبة والتي وصفها الإمام عليه السلام بالخادعة.
٣- تزيين الشيطان
من النقاط المهمّة التي أشارت إليها الخطبة تزيين الشيطان للذنوب والمعاصي، وهذا ما نوه إليه القرآن الكريم في الآية الثالثة والاربعين من سورة الانعام بشأن الامم السابقة: «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» [١]. كما ورد في سورة الحجر على لسان الشيطان حين لعنه اللَّه وطرده من رحمته وتصدى لمعاداة بني آدم وإغوائهم: «لَأُزَيِّنَنَّ لَهُم فِي الأَرضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ» [٢]. ويحصل هذا التزيين الشيطاني الباطل والوسوسة لمقارفة اللذات واضفاء طابع الحلاوة على بعض الخطايا وهنا يبدأ إمتحان الإنسان في كيفية التعامل مع هذه الملذات العابرة التي تنتهي لذتها وتبقى تبعتها.
وهنا يبرز هذا السؤال وهو أنّ بعض الآيات القرآنية نسبت إلى اللَّه تزيين هذه الأعمال، فكيف التوفيق بين هذه الآيات وتلك التي ذكرت سابقا؟ يتضح الجواب على هذا السؤال من الآية الرابعة من سورة النمل التي قالت: «إنّ الّذين لايؤمنون بالآخرة زيّنّا لهم أعمالهم فهميع مهون». فالآية تشير إلى أنّ هذا التزيين الإلهي يمثل نوعاً من العقاب لُاولئك الأفراد
[١] سورة الحجر/ ٣٩- ٤٠.
[٢] سورة الحجر/ ٣٩- ٤٠.