نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - القسم الأول معرفة اللَّه
العبارة هو أن الذات الإلهية ليست مركبة من أجزاء لافي الخارج ولا في الذهن، لأنّه لو كان متركبا من أجزاء لاحتاج إليها، والحال أنّه غني بالذات، والمحتاج ممكن الوجود، لاواجب الوجود. ثم قال عليه السلام في الصفة السابعة والثامنة:
«و لا تحيط به الْأبصار والقلوب»
أمّا قوله عليه السلام لاتحيطه الابصار، فواضح، لأنّ الإنسان يرى بعينه الالوان والضوء ومن ثم الأجسام، ولما كان اللون من خواص الجسم، وللجسم زمان ومكان وأجزاء، فالنتيجة أنّه محتاج وممكن الوجود، واللَّه أعظم وأجل شأناً من ذلك وان ذهب بعض علماء العامة استناداً إلى بعض الروايات- المخدوشة السند أو الدلالة- إلى رؤية اللَّه سبحانه يوم القيامة، الأمر الذي يعتبر من الشرك؛ لأنّ ذلك يستلزم كون اللَّه جسما له زمان ومكان وجهة ولون، أمّا نحن وعلى ضوء تعاليم أئمتنا عليه السلام نعتقد بأنّ الرؤية محالة على اللَّه سبحانه، لافي هذا العالم ولا في عالم الآخرة! والأدلة العقلية التي أشارت إلى جانب من ذلك في الخطبة إنّما تثبت هذه الحقيقة، وليس للاستثناء من سبيل إلى الأدلة العقلية. [١] أمّا عدم إحاطة العقول بذاته المطهرة فلكونها غير محدودة، وليس للعقل المحدود قدرة إدراك غير المحدود، ولذلك قلنا سابقاً إن علمنا بذاته وصفاته سبحانه إجمالي لاتفصيلي. والذي يجدر ذكره هو أنّ الإمام عليه السلام عبر بعدم الاحاطة بشأن نفي الرؤية بواسطة العين وكذلك الرؤية العقلية، والذي يمثل في الواقع الدليل على المطلوب، لأنّ الاحاطة بالشئ من لوازم الرؤية أو المشاهدة العقلية، وكيف يحاط وجود مطلق لامتناهي.
وهنا يقتدح هذا السؤال وهو أنّ الإمام عليه السلام قال:
«لاتدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان» [٢]
أفلا يناقض هذا الكلام ما ورد في الخطبة؟ والجواب على هذا السؤال أنّ المراد من عدم إحاطة العقل بذاته هو نفي إدراك كنه الذات، وبعبارة اخرى: العلم التفصيلي؛ أمّا ما ورد في الخطبة ١٧٩ من رؤية اللَّه من قبل القلوب يشير إلى العلم الإجمالي. فقد ورد عن الإمام الجواد عليه السلام أنّه قال:
«أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولاتدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف أبصار العيون» [٣]
. على كل حال فان ما أورده الإمام عليه السلام من
[١] راجع بهذا الشأن (نفي رؤية اللَّه) المجلد الأول من هذا الكتاب، وكتاب رسالة القرآن ٤/ ٢٣٢- ٢٥١.
[٢] نهجالبلاغة، الخطبة ١٧٩.
[٣] ميزان الحكمة ٣/ ١٨٩٣، ح ١٢٣١٦.