نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - القسم الأول أحب العباد إلى اللَّه
ورود الضيف على المضيف الكريم، وكأنّهم كالشهداء ضيوف الرحمن الذين يرتزقون من فضل إحسانه: «بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» [١]. ثم قال عليه السلام:
«فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشّديد»
أي يرى قرب الأجل والقيامة التي يحسبها الأعم الأغلب بعيدة، ولذلك سهل عليه تحمل الشدائد وصعوبات الطاعة وترك الذنوب والمعاصي. ثم تطرق عليه السلام إلى خمسة امور يختزن كل واحد منها صفة من صفات هؤلاء العباد من أهل الاخلاص والعرفان فقال عليه السلام:
«نظر فأبصر، وذكر فاستذكر، وارتوى [٢] من عذبٍ فراتٍ [٣] سهّلت له موارده، فشرب نهلًا، [٤] وسلك سبيلًا جدداً» [٥]
فقد تضمنت هذه العبارات القصيرة البعيدة المعاني الإشارة من جانب إلى أهمية التفكر والنظر إلى عالم الوجود ومسائل الحياة التي تشكل أساس البصيرة الكاملة ومعرفة اللَّه، كما أشارت من جانب آخر إلى المداومة على ذكر اللَّه التي تؤدي إلى إحياء القلوب وإطمئنانها: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ» [٦] ثم أشار إلى الارتواء من منبع الوحي وكلمات المعصومين عليهم السلام ليتزودوا منهم فيسيروا على الطريق ويحثوا الخطى نحو قرب الحبيب والفوز بوصاله. ثم تطرق عليه السلام إلى ستة أوصاف لتهذيب نفس اولئك العباد المخلصين موضحاً معطياتها وآثارها فقال عليه السلام:
«قد خلع سرابيل الشّهوات، وتخلّى من الهموم، إلّا همّاً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى، ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبوابالهدى، ومغاليق أبواب الرّدى»
نعم فان هجر الشهوات وتصويب العين صوب مبدأ عالم الوجود وتنقية القلب إنّما يفتح بصيرة الإنسان، فلايصبح ذلك الإنسان سالكاً لسبيل الحق فحسب، بل يكون دليلًا ورائداً للطريق، ثم يودعه اللَّه مفاتيح الهداية أقفال الضلالة
[١] سورة آلعمران/ ١٦٩.
[٢] «ارتوى» من مادة «ري» على وزن طي شرب الماء.
[٣] «فرات»، الماء العذب.
[٤] «نَهَل» بمعنى السقي أو الشراب الأول، ومن عادة العرب، أخذ الابل إلى مكان شُرب الماء، وعندما تشربوترتوي ترجع إلى مكانها، فيقال لها نهلت الابل أو إبلٌ نواهل. وفي المرة الثانية تُعرض على الماء فعندما تشرب، فتسمى «الطِّل»، وبعد ذلك تذهب الابل للرعي في المرعى، فاصطلاح «النهل» يستعمل عندما تشرب الابل الشربة الاولى، وهذا الاصطلاح يستعمل دائماً في الشرب الاول.
[٥] «الجدد» من جد، الأرض الغليظة الصلبة المستوية.
[٦] سورة الرعد/ ٢٨.