نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - لماذا أخشى الموت؟
اللَّه ... [١] نعم قال الإمام عليه السلام:
«و إن على من اللّه جنة حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عنّي وأسلمتني؛ فحينئذٍ لايطيش [٢] السّهم [٣] ولايبرأ [٤] الكلم [٥]»
. والعبارة إشارة إلى سنة كونية ثابتة، وهى أنّ الإنسان لايغادر هذه الدنيا ما لم يحن أجله، وعليه فأجل الإنسان بيد اللَّه، ومفهوم ذلك أنّ إرادته هى التي إقتضت أن يبقى فلان إلى الوقت الفلاني، وممّا لا شك فيه أنّ أحداً لا يسعه الوقوف بوجه هذه الإرادة، ومن هنا يمكن إعتبار الأجل الإلهي جنة حصينة إزاء بعض الحوادث؛ المعنى الذي ورد كراراً في نهجالبلاغة، ومن ذلك قوله عليه السلام:
«إنّ الأجل جنّةٌ حصينةٌ». [٦]
كما قال في موضع آخر
«كفى بالْأجل حارساً» [٧]
بل يمكن القول بأنّ هذا المعنى قد ورد في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد: «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» وجاء في تفسير الأية أن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«يقول: بأمر اللّه من أن يقع في ركيٍّ أو يقع عليه حائطٌ أو يصيبه شيءٌ حتّى إذا جاء الْقدر خلّوا بيْنه وبيْنه يدْفعونه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه باللّيل وملكان بالنّهار يتعاقبانه» [٨]
. وهنا يبرز هذه السؤال وهو لو كان الأمر كذلك، فليس هنالك من ضرورة في حفظنا لأنفسنا من المخاطر ونسعى لأن نقيها بعض الحوادث من قبيل الزلازل والأعاصير والأمراض وحوادث الدهس
[١] مصادر نهجالبلاغة ٢/ ٤٢- ٤٣، كما رواه المرحوم ابن ميثم في شرحه لنهجالبلاغة ٢/ ١٥٧.
[٢] «يطيش» من مادة «طيش» على وزن عيش بمعنى خفة العقل وتستعمل للسهم حين يخطئ الهدف وكأنالسهم لم يعمل على ضوء العقل، وفسره البعض بكل خفة (كتاب العين ومقاييس اللغة ولسان العرب).
[٣] «سهم»، وهو في الأصل واحد النبل، والمركب من النصل والنبل، والجمع، أسهم وسهام، ومن هنا يستعمل أحياناً لتعيين النصيب والقائدة، ويستعمل للقرعة.
ويطلق اصطلاح السهم على النصيب والحظ والفائدة، «والمساهمة» تأتي بمعنى القرعة، ومن هنا وفي حال إجراء القرعة فان أسماء المقترعين تكتب على نصل السهم، ثم تخلط فيما بينها، ثم تتم عملية انتخاب احد السهام، فيكون الاسم المكتوب عليه هو الفائز بالقرعة.
[٤] «يبرأ» من مادة «برء» على وزن قرب بمعنى التحسن من المرض «وبرء» بمعنى الخلق، ومنه «البارئ» بمعنى الخالق.
[٥] «الكلم» بالفتح على وزن نظم بمعنى الجرح. ومن هنا يقال للحديث الذي يترك أثراً على القلوب بالكلام.
[٦] نهجالبلاغة، الكلمات القصار، ٢٠٢.
[٧] نهجالبلاغة، الكلمات قصار، ٦- ٣.
[٨] تفسير البرهان ٢/ ٢٨٣.