نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - ١- أضّل من الخوارج
كبرت؛ ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلْت أرحامَهم فو الله ما عندهم اليومَ شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يَبْقى لك ذكره وثوابه؛ فقال: هيهات هيهات! أيذِكْر أرجو بقاءه! مَلَك أخو تَيْم فعدَل، وفعل مافعل، فما عدا أن هَلَك حتى هلك ذكُره؛ إلا أن يقول قائل: أبوبكر؛ ثم ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمرَّ عشر سنين؛ فما عدا أن هلك حتى هلَك ذكُره؛ إلا أن يقول قائل: عمر؛ وإن ابنَ أبي كبشةَ [١] ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات: «أشهد أنّ محمّداً رسول الله»، فأىّ عملي يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلّادَفْناً دفناً. [٢]
«فقد أثر هذا الكلام حتى في المغيرة بن شعبة المعروف بفساده وانحرافه، فلم يذهب إلى تكفير معاوية فحسب، بل رآه من أكفر الناس وأخبثهم» ثم خاض ابن أبيالحديد في أفعال معاوية وحياته الطاغوتية وتصرفاته المجانبة للعدل والمروءة؛ الأمر الذي يؤكد عمق ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة المذكورة. فقال ابن أبيالحديد:
و أما أفعاله المجانبِة للعدالة الظاهرة من لُبْسه الحرير، وشربه في آنية الذهب والفضة؛ حتى أنكر عليه ذلك أبو الدَّرْداء، فقال له: إنّي سمعت رسول الله ص يقول؛ «إنّ الشّارب فيها ليُجرْجِر في جوفه نار جهنم»، وقال معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأساً، فقال أبو الدرداء: مَنْ عذيري من معاوية! أنا أخبره عن الرسول صلى الله عليه و آله؛ وهو يخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرضٍ أبداً.
نقل هذا الخبرَ المحدّثون والفقهاء في كُتبهم في باب الاحتجاج على أنّ خبر الواحد معمول به في الشرع؛ وهذا الخبر يقدَح في عدالته، كما يقدح أيضاً في عقيدته، لأنّ مَنْ قال في مقابلة خَبَرٍ قد روى عن رسول الله صلى الله عليه و آله: أمّا أنا فلا أرى بأساً فيما حرّمه رسول الله صلى الله عليه و آله، ليس بصحيح العقيدة ومن المعلوم أيضاً من حالة استئثاره بمال الفيء، وضربه مَنْ لا حدّ عليه، وإسقاط الحدّ عمّن يستحقّ إقامةَ الحدّ عليه، وحكمه برأيه في الرَّعيّة وفي دين الله، واستلحاقه زيادا؛ وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه و آله: «الولَد للفراش وللعاهر ألحجَر»، وقتله حُجْر بنَ عديّأصحابه ولم
[١] العلامة المجلسي في «بحارالانور» في معرض شرحه لهذا الموضوع، وهو لماذا كان معاوية بن أبي سفيانيدعو الرسول الاكرم صلى الله عليه و آله بابن أبي كبشة، عند ذكره إياه، فيقول: إن مشركي العرب كانو أيضا يدعون الرسول بهذا الاسم، وذلك لان «ابن أبي كبشة» هو من قبيلة «خزاعة» والتي كانت على اختلاف مع قبيلة قريش، حول مسألة عبادة الاصنام، فابن أبي كبشة كان من مخالفي عبادة الاوثان. «بحارالانوار ١٨/ ٢١٣».
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥/ ١٢٩.