نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - حقيقة الزهد
«أَيُّها النَّاسُ الزَّهادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ والشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ والتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ ولا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظاهِرَةٍ وكُتُبٍ بارِزَةِ الْعُذْرِ واضِحَةٍ».
الشرح والتفسير
حقيقة الزهد
أشار الإمام عليه السلام إلى حقيقة الزهد فقال:
«أيّها الناس، الزهادة [١] قصر الأمل والشكر عند النعم، والتورع عند المحارم».
فعباراته عليه السلام ا لثلاث بشأن الزهد تشكل الرد على التفاسير الخاطئة الواردة بهذا الخصوص، وما أكثر الأفراد الذين عجزوا عن الوقوف على معنى الزهد ويرون أنفسهم من الزاهدين. فهم يعتقدون بانّ الزهد يقتصر علياً رتداء الثياب البسيطة أو عدم ممارسة الوظائف الاجتماعية واعتزال الناس التقوقع في زاوية ومجانبة الفعاليات والأنشطة الاقتصادية، والحال ليست هذه الامور من الزهد في شئ. فحقيقة الزهد التي تقف بوجه الرغبة إنّما تكمن في عدم الاكتراث إلى ماديات الدنيا وزخارفها، أو بعبارة اخرى عدم التعلق بالدنيا والاغترار بمظاهرها وإن زود بكافة الإمكانات. فمن لم يغتر بالامور المادية فقد جنب طول الأمل (فطول الأمل من مميزات أهل الدنيا) وشكر النعمة وهجر الذنب والمعصية، لأنّ النعم لاتشغله بنفسه وتنسيه ربه. وهناك تفسير آخر للزهد أورده الإمام عليه السلام في قصار كلماته، قد يبدو مختلفاً مع هذا التفسير إلّاأنّه يتفق معه في المعنى، حيث قال عليه السلام:
«الزهد كله بين
[١] «زهادة» على وزن شهادة تعنى عدم الاعتناء بزخارف الدنيا؛ كما تستعمل هذه المفردة بشأن الأفراد ضيقيالنظر أو سيئي الخلق، إلّاأنّ المعنى الأول هو الأشهر ومن لوازمه قصر الأمل وترك الذنوب وما شابه ذلك.