نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - القسم الثاني عشر بداية حياة الإنسان ونهايتها
الْأستار، نطفةً دهاقاً، [١] وعلقةً محاقاً، [٢] جنيناً وراضعاً، ووليداً ويافعاً [٣]»
. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى ستة مراحل من حياة الإنسان، ترتبط ثلاث منها بالفترة التي يكون فيها جنين وقبل الولادة، وثلاث أخرى تتعلق بما بعد الولادة. وهى المراحل التي تطوى سريعاً وتحتفظ كل واحدة منها بميزاتها، فبعضها عجيب للغاية والبعض الآخر ينطوي على الدروس والعبر، فاللَّه سبحانه وبقدرته يعد من ماء الرجل الذي يفتقر إلى الصورة والشكل بعد أنّ يتكامل في ظلمات المشيمة والرحم وبطن الام إلى علقة فمضغة وعظاماً ولحماً جنيناً ذا حياة، ليخرج إلى الدنيا، ثم يطوي مراحل الهداية والتكامل ليبدأ مسيرته إلى الحق. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى ما زود به هذا المخلوق من وسائل وأدوات:
«ثمّ منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، ليفهم معتبراً، يقصّر مزدجراً»
فقد منحه اللَّه العقل ليميز به الحسن من القبيح، واللسان ليستغله في فتح صناديق كنوز العلم بالسؤال والبحث، والعين ليدرك بها الحقائق الحسية، ويصل إلى أهدافه النهائية من خلال هذه النعم الثلاثة، ثم يستفيدها في إدراك الأحكام الإلهية ويعتبر بما حوله ويبتعد عما لايليق بشأنه. فالواقع هو أن مصادر المعرفة الثلاث: العقل واللسان والعين والتي تمثل إدراك وإستيعاب المواضيع الفكرية والنقلية والعينية والحسية قد جمعت في هذه العبارة القصيرة، وبالتالي فقد أمر الإنسان باعتماده للفوز بالسعادة والرضوان.
ثم قال عليه السلام:
«حتّى إذا قام اعتداله، واستوى مثاله، نفر مستكبراً، وخبط سادراً» [٤]
طبعاً ليس جميع الناس كذلك، إلّاأنّ كلام الإمام عليه السلام إنّما يتناول الأغلبية العظمى التي تشاهد في المجتمعات البشرية والتي تولي ظهرها لكل شئ إذا ما شعرت بالقوة والاقتدار ونالت بعض المناصب، كما تشكل تحذيرا لأهل الإيمان من ضرورة مراقبة النفس والسعي لأداء الشكر
[١] «دهاق» من مادة «دهق» على وزن دهر بمعنى متتابعا وشدة الضغط، ثم استعملت بمعنى الصب بالقوةوالضغط، واشارت هنا إلى صب النطفة في الرحم.
[٢] «محاق» من مادة «محق» على وزن محو النقص التدريجي والمحو، ومن هنا يطلق المحاق على القمر في أخره، ووصف العلقة بالمحاق بمعنى خفيت فيها ومحقت حتى زالت صورتها وتبدلت إلى جنين، أو لأنّ لها شكل ممحو وغير معين ولم تتخذ لها صورة.
[٣] «يافع» من مادة «يفع» على وزن نفع الغلام راهق العشرين.
[٤] «سادر» من مادة «سدر» المتحير والمتخبط.