نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - القسم الثالث العلماء المخلصون والعلماء المتشبهون
العالم المزيف إنّما أجاء هذا الفن في الخداع والتضليل إثر تعلمه ممن سبقه، فوظف ما تعلم في هذا الانحراف دون أن يجعل جهاده وسعيه للعلم والعمل في خدمة الحق، وهذا لعمري قمة البؤس والشقاء. ولعل الفارق بين
«جهائل» و «أضاليل»
أن جهائل (جمع جهالة) تعني الجهل المركب؛ أي أنّه جاهل ولايدري أنّه كذلك (ولايدري أنّه لايدري) أمّا أضاليل (جمع أضلولة) فهى تعني الامور المضلة التي يتجه إليها عن علم. ثم قال في الصفة الثالثة
«و نصبللنّاس أشراكاً [١] من حبائل غرورٍ، وقول زورٍ»؛
ياله من تعبير رائع! نعم فهو كالصياد الذي ينشر الحبوب فيجعلها فخاً للطيور والحيوانات البلهاء، فيبيعها ويتغذي على لحومها، وهذا ما يفعله هذا العالم المزيف تجاه السذج من الناس فيجني أطماعه المادية ومنافعه الشخصية. وما أبرز مصاديق هؤلاء على مر التأريخ في كل عصر ومصر، الذين يسخرون الدين لخدمة دنياهم، فقد جاء في الخبر أنّ الإمام عليه السلام وصف عبداللَّه بن الزبير قائلًا:
«ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا» [٢]
(وقد قال الإمام عليه السلام ذلك حين لم تتضح شخصيته ويكشف عن مواقفه). ثم قال في الصفة الرابعة:
«قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحقّ على أهوائه»،
بالضبط على عكس العالم الذي طالعتنا صفاته في أنّه أمكن الكتاب من زمامه وجعله قائده وإمامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله، فهو تابع للقرآن بكل كيانه. والحق ليس هنالك من وسيلة أفضل من هؤلاء المزيفين للتعرف على العلماء العاملين. فذاك الذي جعل القرآن قائده وإمامه هو العالم المخلص، أمّا هذا الذي يفسر القرآن برأيه ويسعى لتطبيق القرآن على متطلباته ورغباته. لهو عالم سوء مزيف. وقد جاء في الحديث عن رسولاللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار» [٣]
. كما عنه صلى الله عليه و آله أنّ اللَّه سبحانه وتعالى قال:
«ما آمن بي من فسر برأيه كلامي» [٤]
والدليل واضح فمن آمن باللَّه علم أنّ الحق ما كان من اللَّه، فان رأى غييره الحق فهو على خطأ. كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«من فسرّ برأيه
[١] «اشراك» جمع «شرك» بمعنى اشباك الصياد.
[٢] الكنى والألقاب ١/ ٢٩٤.
[٣] عوالي اللئالي ٤/ ١٠٤.
[٤] بحارالأنوار ٨٩/ ١٠٧، ح ١.