نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨١ - عظم الشكوى من الاصحاب الضعفاء
مذهلة من الألم والمعاناة والاحباط، وهذه قمة المظلومية التي شهدها الإمام عليه السلام. ثم أشار عليه السلام إلى مدى ضعفهم وذلتهم علهم يصلحون أنفسهم:
«كلّما أطلّ [١] عليكم منسرٌ [٢] من مناسر أهلالشّام أغلق كلّ رجلٍ منكم بابه، وانجحر [٣] انجحار الضّبّة [٤] في جحرها، والضّبع [٥] في وجارها [٦]»
والتشبيه بالضبة ينطوي على عدة أمور منها أنّ الضبة تعرف بالحماقة إلى درجة أنها قد تضل حتى جحرها فتعمد إلى جعل جحرها قرب صخرة بغية الاهتداء إليه، أضف إلى ذلك فهى تتصف بانعدام العاطفة بحيث تأكل أحياناً صغارها، وأخيراً شبههم بانثى الضباب الضبة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار، لأن الانثى أجبن وأذل من الذكر. كما شبههم بالضبع لحماقتهم وسائر الصفات التي أوردناها في الخطبة السادسة ومنها أنّها تنام رغم تهديدها من العدو الذي يمكن في كهفها فيجعلها تخلد إلى النوم حتى يمسك بها دون أن تبدي أدنى مقاومة والواقع أنّ أحداث صفين تعد شاهداً حياً على ما اورده الإمام عليه السلام في هذه الخطبة بشأن أهل الكوفة وكيف كانت حماقته تجعله يفقد الفرصة وزمام المبادرة بماجر الويلات عليهم وعلى إمامهم عليه السلام وعلى كافة المسلمين. ثم أماط الإمام عليه السلام اللثام عن مدى ضعفهم فقال:
«الذّليل واللّه من نصرتموه! ومن رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصلٍ [٧]»
والسهم الافوق الناصل المكسور الفوق، المنزوع الفصل، والفوق موضع الوتر من السهم، وهذا مثل يضرب لمن استنجد بمن لاينجده. ثم قال عليه السلام:
«إنّكم واللّه لكثيرٌ في الباحات [٨] قليلٌ تحت الرّايات»
فقد
[١] «أطل» من مادة «طل» على وزن حل بمعنى الاشراف على شئ وهى هنا إشارة إلى إقتراب جيش الشام.
[٢] «منسر» على وزن منزل من مادة «نسر» القطعة من الجيش البالغ عددها مئة إلى مئتين والتي تمر أمام جيش كثير.
[٣] «انجحر» من مادة «جحر» على وزن جهل بمعنى دخل الجحر.
[٤]. «ضبه» على وزن دبه بمعنى أُنثى الضب، وفي الاصل جاءت من مادة «ضبّت» بمعنى إنسياب الماء بشكل بطيء وأمثال ذلك.
[٥] «ضَبُع»، يطلق على نوع من السباع.
[٦] «وجار» من مادة «وجر» على وزن فجر بمعنى صب الدواء في الحلق، ومن هنا فان زحف الضبع فيحجره له شبه بذلك، ويقال لجحر الضب والحيوانات الاخرى «وجار».
[٧] وهنا فان الفعل «رُمي» جاء بصورة فعل مجهول، في حين إن هذا الفعل تكرر في الخطبة ٢٩ بهذا التعبيرولكن جاء بصيغة فعل معلوم، وبما انهما يعطيان معنىً واحداً في كلا الحالتين، لذا فلا مانع من الاستفادة من التعبيرين في الترجمة.
[٨] «باحات» من مادة «بوح» بمعنى الاتساع والظهور، ويراد بها ساحة الدار. ومن هنا فانه يطلق على الساحةالواسعة والظاهرة للعيان، ب «الباحة».