نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - تأمّل الزاهد أمير لاأسير
تأمّل: الزاهد أمير لاأسير
لقد شحن نهجالبلاغة بخطب الإمام عليه السلام التي تتناول مفهوم الزهد. إلى جانب ذلك فان القرآن الكريم قد تناول حقيته ومفهومه بصورة واسعة وان لم يورد هذه المفردة بكثرة. والزهد من المفاهيم التي تعرضت لها الإديان الإلهية، على أنّه يعني عدم التعلق بماديات الدنيا وحطامها، وبالطبع لايراد بالزهد حرمان الإنسان من المال والثروة والمقام والإمكانات، وإنّما يراد به عدم الانقياد والاستسلام لهذه العناصر والوقوع في أسرها، بل ينبغي له أن يكون أميراً عليها. ومن هنا نرى أنّ نبي اللَّه سليمان عليه السلام الذي يضرب المثل بملكه وحكومته كان أميراً لا أسيرا حين رد تلك الهدايا النفيسة التي بعثت بها إليه ملكة سبأ. وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لاتكون بما في يديك أوثق منك بما في يداللّه» [١]
. ومن هنا يتضح مدى الفارق الشاسع بين الزهد في الإسلام والرهبانية في المسيحية. فالزهد الإسلامي يعنى البساطة في الحياة والابتعاد عن التجملات وعدم الوقوع في مخالب الشهوات وأغلال الأموال والمقام، بينما تعني الرهبانية إلّانزواء والانعزال عن الحياة الاجتماعية. فقد ورد في الحديث أنّ عثمان بن مظعون حزن حزناً شديداً لما مات ولده واقبل على الزهد فجعل داره مسجداً وانهمك بالعبادة، فلما بلغ الخبر رسولاللَّه صلى الله عليه و آله قال: يا عثمان إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيلاللَّه. [٢]
في إشارة إلى أنّك إذا أردت أن تقاطع الماديات فلا تسلك السبيل السلبي في ذلك وعليك تعقيب هذا الهدف من خلال مساره الايجابي الصحيح الذي يكمن في الجهاد- ثم تطرق رسولاللَّه صلى الله عليه و آله إلى فضيلة صلاة الجماعة ليقف على مدى أهمية الجماعة في الإسلام ورفضه لكافة أشكال الرهبنة والعزلة. ويقابل الزهد الرغبة والتنافس على الدنيا؛ أي اللهث وراء الدنيا والتكالب على متاعها الذي ورد الذم عليه في الإسلام. وللزهد عدة آثار على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان، والتي يمكن بواسطتها التعرف عليه وهى: قصر الأمل وشكر
[١] كنزالعمال ٣/ ١٨١، ح ٦٠٥٩.
[٢] بحارالأنوار ٧٠/ ١١٤.