نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - القسم الأول ربّ السموات
حافظ السموات بما فيها السيارات والثوابت والمجرات بواسطة القوى الجاذبية اللامرئية؛ وهى القوى التي تحفظها بحيث لا تتغير المسافة بين كرات المنظومة الشمسية رغم مرور ملايين السنين؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم: «وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» [١]. أما العبارة
«و جابل القلوب»
فهى إشارة إلى العلوم الفطرية والإلهية والغرائز والرغبات النافعة التي أودعها اللَّه باطن الإنسان؛ العلوم والغرائز والرغبات التي تمثل الوسائل التي يوظفها الإنسان في مسيرته نحو السمو والتكامل والسير إلى اللَّه إلى جانب الرقي المادي والمعنوي. ولعل هنالك من يعتقد أن اللَّه أودع الشقاء والسعادة ذات الإنسان، بحيث هناك السعداء ذاتاً والأشقياء ذاتاً، والحال لاتفيد العبارة الواردة في الخطبة مثل هذا المعنى، بل تصرح العبارة بأنّ اللَّه أودع هذه العلوم كافة أفراد البشر من آل أمره إلى السعادة أو الشقاء، وان إعتمدها البعض ووظفها من أجل السعادة وتجاهلها البعض الآخر ليزج بنفسه في وادي البؤس والشقاء؛ ولعل الحديث المعروف
«كلّ مولودٍ يولد على الفطرة ...» [٢]
يشير إلى هذا المعنى. فمن الواضح أنّ السعادة والشقاء لو كانا ذاتيين وكل فرد مجبر على سلوك السبيل الذي عين له سبقاً، أن يكون من العبث بعث الأنبياء وانزال الكتب السماوية والتكاليف والمسؤوليات والأحكام الشرعية والثواب والعقاب، وبكلمة واحدة كافة المسائل المرتبطة بالتربية والتعليم وآثارها ومعطياتها؛ الأمر الذي لايقره العقل ولا الشرع. قال القرآن: «إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً» [٣]. كما قال في موضع آخر: «وَنَفْسٍ وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» [٤]. فالواقع هو أن الحق سبحانه أرشد الإنسان إلى طرق السعادة والشقاء دون أنّ يجبره على شئ، فهو مختار في أي سبيل سلك، ومن هنا كان مسؤولا أمام اللَّه وضميره.
[١] سورة فاطر/ ٤١.
[٢] ورد مضمون هذا الحديث في عدة روايات تناهز العشرين، رواها المرحوم العلّامة المجلسي فيبحارالأنوار ٣/ ٢٧٦- ٢٨١، كتاب التوحيد.
[٣] سورة الدهر/ ٣.
[٤] سورة الشمس/ ٧- ٨.