نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - القسم السابع الجميع يدين له بالفضل
عمرها»
. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار في هذا المقطع من الخطبة إلى النعم لأعضاء البدن الواحد تلوا الآخر، مركزاً على السمع والبصر بفضلها أهموسيلة لإرتباط الإنسان بالعالم الخارجي إلى جانب حصول الانسان على الجانب الأعظم من العلوم والمعارف عن طريقهما، هذا من جهة، ومن جهة اخرى أشار عليه السلام إلى الانسجام القائم بين أعضاء البدن بعضها بالبعض الآخر، ومن ذلك تطرق إلى عضلات البدن التي تعمل متناغمة مع كافة الأعضاء وقد تكيفت مع هيئات العظام. فمسألة تناسق وانسجام أعضاء البدن تعد من أروع ظواهر الخلقة ومن أهم النعم الإلهية، وفى نفس الوقت فان الاستقلال يسود هذه الاعضاء والجوارح، إلّاأنّها تتحد وتتعاضد بما يدعو للدهشة والذهول إذا ما طرأ على الإنسان طارئ. على سبيل المثال لو حدث ما يضطر الإنسان للابتعاد والفرار عن مركز الحادثة بسرعة، فانّ كافة أعضاء البدن تعبئ نفسها في لحظة واحدة، فدقات القلب تأخذ بالارتفاع، والنفس يصعد وينزل بسرعة ليضخ الدم والاوكسجين الكافي لعضلات الجسم، كما تتصاعد حدة اليقظة والوعي، ويحتد السمع والبصر، حتى تذوب موانع الجوع والعطش وتنسى بالمرة ليتمكن الإنسان من الهروب سريعاً من مركز الحادث، وبالطبع فانّ هذا التنسيق لم يحصل استجابة لرغبة الإنسان واختياره، بل بواسطة الأوامر والايعازات التي يصدرها الدماغ تلقائياً إلى جميع أعضاء البدن. فهذا التنسيق العظيم كاشف عن قدرة اللَّه سبحانه وعظمته، كما يفيد سعة نعمه على العباد؛ الأمر الذي أشار له الإمام عليه السلام في هذه الخطبة. ولا يقتصر هذا التنسيق على ظاهر الاعضاء فحسب، بل يخترق باطنها وكنهها، حتى يؤثر في أعمارها، وهذا ما أشار إليه الإمام بالخصوص.
ثم واصل عليه السلام كلامه قائلًا:
«بأبدان قائمة بأرفاقها [١] وقلوب رائدة [٢] لأرزاقها، في
[١] «أرفاق» جمع «رفق» على وزن فكر المنفعة أو ما يستعان به عليها، وهذا هو المعنى المراد في عبارةالخطبة.
[٢] «رائدة» من مادة «رود» على وزن شوق طلب الماء والمرتع، ثم اطلقت على كل بحث وطلب، كما وردت بمعنى الهادي وذلك لأنّ القوافل كانت تبعث بشخص ليبحث عن مكان مناسب لتوقف القافلة حيث يسمى هذا الشخص الرائد.