نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١ - القسم الثاني الثبات والمقاومة
تعني المستقيم وهى تستعمل بشأن الطرق المستوية والمستقيمة، ولما كان المشي سهلًا في مثل هذه الطرق فانّها تطلق على السهل أيضاً. ومن هنا ورد في المثل العربي المعروف
«ملكت فاسجح».
فالإمام عليه السلام يرى أنّ الشهادة في سبيل اللَّه ضالة أهل الإيمان، فيؤكد عليهم عدم الاكتفاء برفض الخشية والخوف من الشهادة، بل لابدّ من إستقبالها بكل رحابة صدر، فطريقها سهل يسير ولابدّ من ركوبه لمعانقتها. وقد كان الإمام عليه السلام نموذجاً بارزاً لهذا الكلام حتى أقسم قائلًا:
«واللّه لابن ابيطالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه» [١]
وهو الذي صرح عند ما ضربه ابن ملجم:
«فزت وربّ الكعبة».
ثم قال عليه السلام في إشارة إلى مركز تجمع جيش الشام والخيمة التي تربع داخلها معاوية:
«وعليكم بهذا السّواد الْأعْظم، والرّواق الْمطنّب، فاضْربوا ثبجه»
فقد يطمع العدو وتشتد شوكته لو حمل عليه من هنا هناك مع مراعاة الحذر والاحتياط، وعلى العكس من ذلك لو كانت الحملة مصوبة إلى قلب عسكر العدو لانهارت روحية العدو وتحطمت معنوياته، فانّ الهجوم على المركز يكشف عن مدى القوة والاقتدار، ومن هنا إستفاد الإمام عليه السلام هذه القضية النفية ليأمر جيشه بالهجوم على قلب العدو ومركز قيادته. والسواد الأعظم كناية عن التجمع الكبير الذي يبدو أسوداً من بعيد، والمراد به هنا عسكر الشام. الرواق على وزن كتاب غراب الفسطاط، وهو هنا إشارة إلى الخيمة الكبيرة المضروبة لمعاوية، المطنب المشدود بالأطناب جمع طنب بضمتين وهو حبل يشد به سرادق البيت والثبج بالتحريك الوسط وقوله عليه السلام:
«فاضربوا ثبجه»
تعني الهجوم على قلب جيش الشام وخيمة معاوية. ثم أورد الإمام عليه السلام الدليل على ما قال:
«فإنّ الشّيطان كامنٌ في كسره [٢] وقد قدّم للوثبة [٣] يداً، وأخّر للنّكوص [٤] رجلًا»
، والمراد بالشيطان هنا معاوية حيث جمع الأفكار والأعمال الشيطانية بينما ذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّه أراد بالشيطان عمروبن العاص، كما قيل قد يراد به الشيطان الحقيقي
«ابليس»
الذي كان يتلاعب بمعاوية وعسكره آنذاك. وقد صور الإمام عليه السلام بهذه العبارة روحية معاوية الذي كان يعد نفسه للهجوم من جهة وهو يهم بالنكوص والفرار من جهة
[١] للوقوف بصورة أعمق على هذا الموضوع راجع الخطبة الخامسة من المجلد الأول.
[٢] «كسر» على وزن مصر شقه الأسفل، كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون.
[٣] «وثبة» من مادة «وثب» على وزن نصر بمعنى الظفر والنصر، كما تعني القفز للاستيلاء على الشئ.
[٤] «نكوص» بمعنى الانسحاب والتراجع عن القيام بعمل، وعادة ما تستعمل بشأن التراجع عن اعمال الخير.