نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - مكانة المرأة في المجتمعات البشرية
أدت إلى الدفاع المستميت عن حقوق المرأة والسعي الحثيت لرفع شخصيتها إلى أقصى ما يمكن على مستوى الكلام، أمّا على مستوى العمل فالقضية معكوسة تماما. فما زالت المرأة تعيش اليوم شتى أنواع الحرمان؛ الأمر الذي كان له أثره على تفسير بعض النصوص الدينية الواردة بشأن المرأة وتأويلها بالشكل الذي يتناسب وطباع أغلب النساء ويشبع رغباتهن وتطلعاتهن وإن كانت فارغة تفوق الخيال. ولم تسلم هذه الخطبة وسائر شبيهاتها من الخطب في نهجالبلاغة من ذلك التقصير، بل هنالك من يتردد في سند هذه الخطبة، وآخر يتحرج في تفسيرها حذراً من المساس بمقام المرأة والاساءة لها، وإلى جانب هؤلاء فهناك من سلك سبيل التفريط بحق المرأة ليصورها على أنّها مجموعة من العيوب والنقص. وهنا نقول لاينبغي التنكر لأمرين: الأول: أنّ هذه الخطبة وردت بعد الجمل، ونعلم أنّ القطب الرئيسي فيها كان زوج النبي صلى الله عليه و آله عائشة التي وردت الميدان إثر التحريض العجيب الذي قام به طلحة والزبير وقد سالت فيها دماء غزيرة ذهب البعض إلى أنها خلفت ما يربو على سبعة عشر ألف قتيل، طبعاً صحيح أنّ تلك المرأة أعربت عن ندمها بعد هزيمة عسكر الجمل، وانّ أميرالمؤمنين علي عليه السلام واحتراماً لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله أمر بردها معززة مكرمة إلى المدينة، إلّاأنّ الآثار السيئة لتلك المعركة ظلت باقية في صفحات التأريخ الإسلامي والثاني إننا نرى أغلب الآيات القرآنية التي عرضت بالذم للجنس البشري فقد صرح القرآن قائلًا: «إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً» [١] وقال: «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» [٢] وقال:
«إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ» [٣] «كَلّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» [٤] وما شابه ذلك من الآيات. فمما لاشك فيه أنّ الإنسان في طبيعته ليس
«كفور مبين»
ولا
«ظلوم جهول»
ولا
«طاغي»
، ويبدو أن هذه الامور تتعلق باولئك الأفراد الذين لم يترعرعوا في ظل التربية الدينية، فهم غارقون في أهوائهم وذواتهم وليس لهم من مرشد أو دليل. ومن هنا نرى القرآن يكيل المدح والثناء للإنسان الذي يتحلى بالطاعة والورع والتقوى، بل أشار القرآن إلى
[١] سورة المعارج/ ١٩- ٢١.
[٢] سورة الاحزاب/ ٧٢.
[٣] سورة الزخرف/ ١٥.
[٤] سورة العلق/ ٦- ٧.