نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - القسم الثاني آلاف التحية و السلام على النبى صل الله عليه و آله
الشكر والثناء. وقال عليه السلام
«قائماً بأمرك، مستوفزاً [١] في مرضاتك»
فالقيام بالأمر إشارة إلى جدية الأوامر الإلهية لأنّ الإنسان ينهض من أجل القيام بالأعمال الجادة. فالتعبيران لايشيران إلى مدى إمتثال النبي صلى الله عليه و آله لأحكام السماء فحسب، بل كان يسارع إلى الاتيان بكل ما يرضى اللَّه سبحانه وان لم تصدر إليه الأوامر. ثم قال عليه السلام:
«غير ناكلٍ [٢] عن قدمٍ، [٣] ولاواهٍ في عزمٍ»
فكثير هم الجديون في قرارتهم والانطلاق في أعمالهم، إلّاأنّهم يضعفون في الاستمرار والمواصلة، والمهم أن يواصل الإنسان نشاطه وعمله. ويفيد التأريخ أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم ينكل أو يضعف أمام الوساس والضغوط، كما لم يكن يلين تجاه أي مبادرة منحرفة، ومن ذلك قوله
«واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللّه او أهلك دونه» [٤]
. ثم قال عليه السلام:
«واعياً [٥] لوحيك، حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك».
ثم اشار الإمام عليه السلام إلى النتيجة التي تمخضت عنها جهود النبي صلى الله عليه و آله وتضحيته
«حتّى أورى [٦] قبس [٧] القابس، وأضاء الطّريق للخابط، [٨] وهديت به القلوب بعد خوضات [٩] الفتن والْآثام».
والعبارة تلمح إلى سرعة إنتشار الإسلام واشراقة شبه الجزيرة العربية التي كانت مهد الكفر والشرك ومركز الجهل والجريمة، ولا يشك في هذه الحقيقة من كان له أدنى إلمام بالتأريخ الإسلامي؛ الأمر الذي إعترف به حتى خصوم الدعوة. ثم قال عليه السلام:
«و أقام بموضحاتالأعلام، و نيّرات الأحكام».
فالواقع وبغية الحيلولة دون تلكؤ أصحاب الحق في
[١] «مستوفز» من مادة «استيفاز» بمعنى المسادع المستعجل.
[٢] «ناكل» من مادة «نكول» بمعنى الناكص والمتأخر.
[٣] «القدم» بضمتين المشيي إلى الحرب ومضى قدما سار ولم يخرج.
[٤] الكامل لابن اثير ١/ ٤٨٩ (كما ورد هذا الكلام في سيرة ابنهشام وتأريخ الطبري).
[٥] «واعيا» أي حافظا وفاهما، وعيت الحديث فهمته وحفظته.
[٦] «أورى» من مادة «ورى» على وزن نفي بمعنى اشعال النيران وعليه فان (اورى) فعل متعدي.
[٧] «القبس» على وزن قفص بمعنى شعلة من النار.
[٨] «خابط» من مادة «خبط» على وزن ضبط بمعنى الحركة في طريق غير صحيح، وكذلك تأتي بمعنى عدم التعادل أثناء المسير أو القيام.
[٩] «خوضات» جمع «خوضة» من مادة «خوض» على وزن حوض، وفي الاصل يأتي بمعنى الدخول التدريجى في الماء، والسير والسباحة في الماء، وكذلك يأتي كناية عن معنى الدخول أو البدء بعمل أو خطاب سيء وغير مطلوب.