نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - القسم الثاني آلاف التحية و السلام على النبى صل الله عليه و آله
مسيرتهم، لابدّ من نصب العلامات الدالة على الطريق واضاءت كافة ظلماته، وهذا ما فعله رسولاللَّه صلى الله عليه و آله حين أضاء كل معالم الطريق ونصب الأدلاء عليه. ومن ذلك الأحكام المتعلقة بالصلوات اليومية وصلاة الجمعة- وبمراسها الخاصة- وحج بيتاللَّه الحرام التي من شأنها هداية أتباع الحق وصدهم عن الحيرة والضلال، إلى جانب بيانه للأحكام ذات الصلة بالقضايا الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية. ثم يختتم عليه السلام هذا الفصل من الخطبة بخمس صفات أخرى للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقال:
«فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدّين، بعيثك بالحقّ، ورسولك إلى الخلق»
فبعض هذه الصفات مقدمة وبعضها الآخر نتيجة. فكونه أمين اللَّه وخازن علمه إنّما هى مقدمة من أجل الرسالة إلى الخلق والبعث بالحق، كما أنّ شهادته يوم القيامة إنّما تمثل نتيجة هذه الرسالة. أمّا قوله عليه السلام:
«أمين مأمون»
هو تأكيد لمدى أمانته صلى الله عليه و آله واشارة إلى العصمة المشروطة في النبوة. وأمّا قوله عليه السلام:
«خازن علمك المخزون»
، فالمراد به علمه صلى الله عليه و آله باسرار الغيب، وقد أشرنا إلى ذلك في حينه إلى تعذر قيام الأنبياء والأئمة بوظيفتهم بصورة تامة دون العلم بتلك الاسرار والخفايا، وقد أشار القرآن بهذا الشأن:
«عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً* لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» [١]
والعبارة
«شهيدك يوم الدين»
مستوحاة من الآية ١٤٣ من سورة البقرة: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» والآية ٨٩ من سورة النحل: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ...» التي تشير إلى شهادة النبي صلى الله عليه و آله على أعمال الامّة وشهادته على شهداء سائر الامم.
ولما كانت الشهادة من فروع العلم، فان هذه التعبيرات تشكل دليلًا آخر على علمه صلى الله عليه و آله بأسرار الغيب.
[١] سورة الجن/ ٢٦- ٢٨.