نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - القسم الرابع أهوال المحشر
فحركة الناس جماعية ووقوفهم في المحشر على شكل صفوف مختلفة، أو أنّ الناس تفصل عن بعضها البعض البعض الآخر تبعاً لأعمالها بحيث يلتحق كل بنظيره فيكون مصيرهم واحدا، أو أنّهم كانوا جماعة في قبورهم فينطلقون معاً للحساب. القرآن من جانبه قال بهذا الشأن: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً» [١] ولاشك أنّ سرعة حركتهم تكشف عن مدى خوفهم واضطرابهم من مصيرهم وتوقعهم لما يفجعهم من حوادث. والعبارة:
«ينفذهم البصر»
أي هم مع كثرتهم لايخفى منهم أحد عن إدراك اللَّه سبحانه وتعالى، وهم مع هذه الكثرة أيضاً لايبقى منهم أحد إلّاإذا دعا داعي الموت سمع دعاءه. ثم إنتقل عليه السلام إلى صورة اخرى من صور الخلائق في يوم الحشر فقال عليه السلام:
«عليهم لبوس الاستكانة، وضرع [٢] الاستسلام والذلة، قد ظلت الحيل، وانقطع الأمل، وهوت الافئدة كاظمة، وخشعت الاصوات مهيمنة، [٣] وألجم العرق، وعظم الشفق». [٤]
لاتبدو ظهور مثل هذه الحالات حين يغلق باب الرجعة ويحكم اللَّه بين الخلائق وتخضع كافة الأعمال بصغيرها وكبيرها إلى الحساب العسير ويعرف الجزاء ويتجسم العقاب الذي ينتظر أهل الذنوب والمعاصي. وقد تضمن القرآن الكريم هذه الأوصاف، بل ما ورد في الخطبة إنّما إقتبسه الإمام عليه السلام من القرآن. فقد قال القرآن في موضع: «مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ» [٥] وقال في موضع آخر: «يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلّا هَمْساً» [٦]. العبارة
«ألجم العرق»
تعبيررائع عن ذروة بلاء أهل المحشر، فالخوف والاضطراب من جانب، وحرارة المحشر من جانب آخر، وتدافع الناس وشدة الزحام والارهاق بحيث يغطي العرق أبدانهم حتى إنّ فمهم ليمتلأ عرقاً إذا ما فتحو شفاهم.
[١] سورة النبأ/ ١٨.
[٢] «ضرع» على وزن طمع الضعف والخضوع والذل.
[٣] «مهيمنة» من مادة «هيمنة» متخافية، الصوت الخفي.
[٤] «شفق» تعني في الأصل إختلاط ضياء النهار بظلمة الليل، كما تطلق على خصوص الخوف وبهذا المعنى وردت في العبارة.
[٥] سورة ابراهيم/ ٤٣.
[٦] سورة طه/ ١٠٨.