نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - القسم الرابع أهوال المحشر
البرزخ فانّ الإمام عليه السلام لم يتطرق إلى ذلك، بل خاض مباشرة في بعث الأموات وخروجهم من القبور والتي تمثل لب المطلوب فقال عليه السلام:
«أخرجهم من ضرائح [١] القبور، وأوكار [٢] الطيور، وأوجرة [٣] السباع، ومطارح [٤] المهالك».
قد يفارق الإنسان الدنيا إثر الموت بصورة طبيعية، وقد يموت في الصحراء لوحده ليكون جسده طعمة للحيوانات المفترسة، وقد يفترسه أحياناً وحشاً ضارياً، ويمكن أن يموت غرقاً في البحر، كما قد تقتله الزلزلة فيبقى جسده تحت الانقاض، فالإمام عليه السلام يخبر أنّ اللَّه سبحانه عليم بمواضع جميع هؤلاء وسينشرهم جميعا للحشر فيحاسبهم على أعمالهم. كما يشير عليه السلام ضمنياً إلى هذه المسألة وهى أنّ أحدا لايعرف كيف سيفارق الدنيا، وأي موضع سيحوي جسده، الأمر الذي يدعو إلى الاعتبار فقد قال سبحانه بهذا الخصوص: «وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» [٥]. والآية كسائر الآيات الشريفة تعرض بصراحة للمعاد الجسماني؛ لأن ما في القبور أو أعشاش الطيور وكهوف الوحوش هو تراب البدن وعظامه، وإلّا فالقبر لايضم الروح بعد مفارقتها للبدن، وهذا ما سنتعرض له في المبحث القادم. ثم قال عليه السلام:
«سراعاً إلى أمره، مهطعين [٦] إلى معاده، رعيلًا [٧] صموتاً، قياماً صفوفاً، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي»
فالعبارة صورة حية عن وضع العباد في عرصة المحشر؛ ويالها من صورة مرعبة مخيفة. وهى العبارة التي ورد شبيهها في القرآن بخصوص حركة الإنسان في المحشر من قبيل المفردة
«سِراعاً» [٨]
و
«يَنْسِلُونَ» [٩]
ويعبر أحياناً اخرى عن مدى سرعته بالقول ويعبر أحياناً اخرى عن مدى سرعته بالقول: «كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ». [١٠]
[١] «ضرائح» جمع «ضريح» بمعنى القبر، أو الشق وسط القبر.
[٢] «أوكار» جمع «وكر» على وزن مكر بمعنى عش الطيور.
[٣] «أوجرة» جمع «وجار» الحفر التي تظهر إثر السيول في الأودية، كما تطلق على كهف الوحوش.
[٤] «مطارح» جمع «طرح» الموضع الذي تطرح فيه الأشياء.
[٥] سورة لقمان/ ٣٤.
[٦] «مهطعين» مادة «هطع» على وزن منع بمعنى الرعة المصحوبة بالخوف.
[٧] «رعيل» القطيع من الخيل أو الطيور.
[٨] سورة المعارج/ ٤٣.
[٩] سورة يس/ ٥١.
[١٠] سورة المعارج/ ٤٣.