نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢ - القسم الثاني الثبات والمقاومة
اخرى؛ ولا غرو فهذه هو الاسلوب المتبع لدى الساسة الماديين، فليس لهم من هدف مقدس يقاتلون من أجله، ومن هنا يهربون هروب الشاة من الذئب إذا ما جابهتهم ثلة من المؤمنين.
فقد صرح القرآن الكريم بشأن أعوان الشيطان في مجابهتهم للمؤمنين وكيفية تخلي الشيطان عنهم قائلًا: «وَإِذ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ» [١] ولا يقتصر هذا الأمر على الشيطان- ابليس- فهذا هو ديدن شياطين الانس الذين يزجون باتباعهم في الأحداث الساخنة ثم يخذلونهم في الظروف الحرجة. ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته قائلًا:
«فصمداً صمداً! [٢] حتّى ينجلى لكم عمود الحقّ «وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ»»
فالواقع إنّ هذه العبارة تمثل نتيجة لما أورده الإمام عليه السلام ودعا إليه صحبه؛ أي أنكم قد وقفتم الآن على التعليمات الكافية والفنون القتالية وكيفية الهجوم على مركز تجمع العدو، فما عليكم إلّاالثبات والصمود والمقاومة لاندحار الباطل وانتصار الحق. ثم يعدهم بالنصر استنادا إلى البشارة التي تضمنتها الآية ٣٥ من سورة محمد صلى الله عليه و آله: «وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ». وعليه فالخطبة تمثل دروساً عظيمة في التعرف على أساليب القتال وعناصر النصر دون أن تقتصر على زمان الإمام عليه السلام. ويشير التأريخ إلى مدى التأثير الذي لعبته كلمات الإمام عليه السلام حتى ورد في كتاب صفين لنصربن مزاحم أنّ الإمام عليه السلام حين أورد هذه الكلمات ودعا صحبه أثناء صفين للهجوم على أهل الشام انطلق أكثر من عشرة الاف خلف الإمام عليه السلام ووثبوا إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم فانقضوا على جند معاوية حتى إقتربوا من خيمته فكاد يقضى عليه لو لاتلك الخدعة التي عمد إليها ابن العاص في رفع المصاحف على أسنة الرماح. [٣]
[١] سورة الانفال/ ٤٨.
[٢] «صمد» على وزن حمد، وجاء على معنيين، أحدهما «القصد» والثاني «الاستحكام والصلابة» وليسمستبعد ان يكون يرجع أصل المعنيين إلى أصل واحد، لان القصد يحصل اذا كان هناك استحكام وصلابة خاصة.
و «صمد» على وزن سبب، بمعنى الشخص الذي يقصده المحتاجون، وتعني: المكان الرفيع والسامي، وكذلك يأتي بمعنى الشيء المحلوء، وكل هذه المعاني لها تناسب مع المعنى الاصلي لهذا الاصطلاح.
وقد ورد في الجملة اعلاه كتعبير عن المقاومة والصمودُ البصر والتحمل في مواجهة العدو.
[٣] شرح نهج البلاغة للمرحوم تسترى ١٣/ ٥٤٣.