نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - الدنيا وسيلة لأهدف
ثم أورد عليه السلام صفتين للدنيا من شأن الالتفات إليهما إبعاد الإنسان عن الحرص والطمع والسكون إلى الدنيا
«ومن ساعاها فاتته، [١] ومن قعد عنها واتته [٢]».
إشارة إلى الأعم الأغلب من الأفراد الذي يجرون نحو الدنيا ولا يبلغونها، بينما كثيرهم الذين يهجرون الدنيا فتأتيهم صاغرة. ولعل المطالعات التأريخية والوقائع تؤيد هذا الأمر في أن الجري خلف الدنيا لايفضي إلى الغنى، والانصراف عنها لا يؤدي إلى الفقر. ومن الطبيعي ألا يكون المراد بالدنيا هنا المعيشة المشرفة والخالية من الحاجة إلى الآخرين، بل يراد بها الدنيا المذمومة المشوبة بالجنون. على كل حال فالعبارة تهدف إطفاء نيران الحرص على الدنيا والذوبان فيها. وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام كلامه في وصف الدنيا بصفتين أصابت أغلب مفسرّي نهجالبلاغة ولا سيما المرحوم السيد الرضي (ره) جامع النهج بالدهشة والذهول ليعيشوا نشوة السكر بهذا الشراب الطهور، فقد قال عليه السلام:
«من أبصر بها بصرته، ومن أبصر اليها أعمته».
فاذا تأمل المتأمل هذا القول وجد تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا يبلغ غايته ولايدرك غوره؛ أي أنّ الإنسان إذا جعل الدنيا وسيلة لنيل الكمال وأداة للوصول إلى الآخرة وجسرا للسمو والرفعة والتكامل فستطرح عنه كافة الحجب ويرى حقائق الكون كما هى، أمّا ذاك الذي يتعامل مع الدنيا كهدف لاوسيلة فانّ ذلك سيكون حجاباً ضخماً مضروباً على عينيه يحول دون رؤيته لاقرب الأشياء فضلًا عن الحقائق، وأبعد من ذلك سيغرق في مادياتها ولا يرى لغيرها من وجود. والواقع هذا هو الفارق بين أهل الآخرة وأهل الدنيا، فهؤلاء يرون الدنيا مقدمة للآخرة واولئك يرون الدنيا غايتهم وهدفهم. فالدنيا كالشمس إن نظرت بها أبصرت وإن نظرت إليها عميت. كما أورد تفسير آخر لهذه العبارة وهو أنّ المراد بقوله:
«من أبصر بها بصرته»
أنّ النظر إلى الدنيا بكل ما تشتمل عليه من الآيات الربانية إنّما يزيدنا
[١] «ساعي» من مادة «سعى» تعني في الأصل الجري ومنه السعي بمعنى الجهد وكأنّ الإنسان يجري نحو الشئ وقد وردت في العبارة بشأن من يجري خلف الدنيا وكأنه يتسابق مع الآخرين، كما يمكن أن تكون إشارة إلى أولئك الذين يلهثون وراء الدنيا، والدنيا تهرب منهم. أما بعض أرباب اللغة فقد فسروا هذه المفردة بمعنى دعوة الاماء إلى الأعمال المنافية للعفة. وعليه فالعبارة الواردة في الخطبة تشبه الدنيا بالامة التي يلهث وراءها أهل الدنيا.
[٢] «واتته» من مادة «مؤاتاة» بمعنى طاوعته واستجابت له.