نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - الدنيا وسيلة لأهدف
لها من معنى سوى في الأموال. ونختتم الكلام في قوله عليه السلام:
«من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن»
بالحديث الذي يؤكد هذا المعنى، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام. قال: كان على عهد رسولاللَّه صلى الله عليه و آله مؤمن فقير شديد الحاجة من أهل الصفة، وكان لازماً لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله عند مواقيت الصلاة كلها لايفقده في شئ منها، وكان رسولاللَّه صلى الله عليه و آله يرق له وينظر إلى حاجته وغربته، فيقول: يا سعد لو قد جاءني شئ لأغنيتك، قال: فابطأ ذلك على رسولاللَّه صلى الله عليه و آله فاشتد غم رسولاللَّه صلى الله عليه و آله بسعد، فعلم اللَّه سبحانه ما دخل على رسولاللَّه صلى الله عليه و آله من غمه بسعد، فأهبط عليه جبرئيل عليه السلام ومعه درهمان فقال له: يا محمد إنّ اللَّه قد علم ما قد دخلك من الغم بسعد، أفتحب أن تغنيه؟ فقال له: نعم، فقال له: فهاك هذين الدرهمين فاعطهما إياه، ومره أن يتجر بهما، قال: فأخذهما رسولاللَّه صلى الله عليه و آله ثم خرج إلى صلاة الظهر وسعد قائم على باب حجرات رسولاللَّه صلى الله عليه و آله ينتظره، فلما رآه رسولاللَّه صلى الله عليه و آله قال: يا سعد أتحسن التجارة؟ فقال له سعد: واللَّه ما أصبحت أملك ما أتجربه، فاعطاه النبي صلى الله عليه و آله الدرهمين؛ فقال له: اتجر بهما وترف لررق اللَّه، فأخذهما سعد ومضى مع رسولاللَّه صلى الله عليه و آله حتى صلى معه الظهر والعصر، فقال له رسولاللَّه صلى الله عليه و آله:
قم فاطلب الرزق فقد كنت بحالك مغتماً يا سعد، قال فأقبل سعد لايشتري بالدرهم إلّاباعه بدرهمين، ولايشتري شيئاً بدرهمين إلّاباعه بأربعة دراهم، وأقبلت الدنيا على سعد فكثر متاعه وماله وعظمته تجارته فاتخذ على باب المسجد موضعاً جلس فيه وجمع تجارته إليه، وكان رسولاللَّه صلى الله عليه و آله إذا أقام بلال الصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهر ولم يتهيهأ كما كان يفعل قبل أن ينشغل بالدنيا، فكان النبي صلى الله عليه و آله يقول: يا سعد شغلتك الدنيا عن الصلاة، فيقول: ما أصنع، أضيع مالي هذا رجل قد بعته فاريد أن أستوفي منه، هذا رجل قد اشتريت منه فاريد أن أوفيه قال؛ فدخل رسولاللَّه صلى الله عليه و آله من أمر سعد غم أشد من غمه بفقره فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال: أيما أحب إليك، حاله آخرته، فقال له جبرئيل: قل لسعد يرد عليك الدرهمين اللذين دفعتهما إليه، فان يا سعد أما تريد أن ترد عليَّ الدرهمين الذين أعطيتكهما؟
فقال: بلى ومأتين. فقال لها لست أريد منك يا سعد إلّادرهمين، فاعطاه سعد درهمين، قال:
وادبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان جمع، وعاد إلى حاله التي كان عليها. [١]
[١] وسائل الشيعة ١٢/ ٢٩٧- ٢٩٨.