نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - القسم الثاني عشر بداية حياة الإنسان ونهايتها
القسم الثاني عشر: بداية حياة الإنسان ونهايتها
«أَمْ هَذا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وشُغُفِ الْأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً مِحاقاً، وجَنِيناً وراضِعاً، ووَلِيداً ويافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حافِظاً، لِساناً لافِظاً، وبَصَراً لاحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، ويُقَصِّرَ مُزْدَجِراً، حَتَّى إِذا قامَ اعْتِدالُهُ، واسْتَوَى مِثالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وخَبَطَ سادِراً، ماتِحاً فِي غَرْبِ هَواهُ، كادِحاً سَعْياً لِدُنْياهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وبَدَواتِ أَرَبِهِ، ثُمَّ لا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً، ولا يَخْشَعُ تَقِيَّةً؛ فَماتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً، وعاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً أسيرا لَمْ يُفِدْ عِوَضاً غرضاوَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً».
الشرح والتفسير
خاض الإمام عليه السلام- في هذا المقطع من الخطبة وقد أشرفنا على نهايتها- في أمر مهم آخر وهو خلق الإنسان ومتابعته منذ كونه جنيناً حتى إختتام عمره ومفارقته للدنيا وبعثه في يوم القيامة، اتماماً للأبحاث السابقة حول مكائد الشيطان وضرورة إعداد العدّة والتحلي بالورع والتقوى، وبعبارة اخرى ليكون الإنسان على حيطة وحذر فيمارس وظائفه الرئيسية ويجتنب وساوس الشيطان. فقد قال عليه السلام:
«أم [١] هذا الّذي أنشأه في ظلمات الْأرحام، وشغف [٢]
[١] هنالك خلاف بين شرّاح نهجالبلاغة بشأن (أم) هل هى إستفهامية ومتصلة أو منقطعة؟ ويبدو من الصعبالحكم في ذلك، لأنّ ظاهر عبارة المرحوم السيد الرضي (ره) قد اختار كلاما من هذه الخطبة الطويلة ويمكن أن تكون العلاقة بين العبارات خافية هذه القطوف، وقد فسرناها منقطعه وتقديره العبارة «بل أذكركم بحال الإنسان ...».
[٢] «شغف» من مادة «شغاف» على وزن جواب يعني في الأصل غلافالقلب، والمفردة هنا بمعنى الاغلفة المتعددة.