نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - القسم الرابع عشر حوادث مابعد الموت
وأخذوا بالبكاء وا لعويل عليه؛ وأنّ هذا الصراخ والعويل يقض مضجعه كلما خفت عليه غصص الموت وأفاق إلى نفسه، فيتطلع إلى الموت الذي يراه بعينه وهى تدور يميناً وشمالًا من الخوف والرعب:
«و المرء في سكرةٍ ملهثةٍ، [١] وغمرةٍ كارثةٍ، [٢] وأنّةٍ موجعةٍ، وجذبةٍ مكربةٍ، [٣] وسوقةٍ [٤] متعبةٍ»
. حقاً أنّ الاحتضار وسكرات الموت حالة عجيبة! فهذا الإنسان الذي كان متربعاً بالأمس على عرش السلطة وقد زود بكافة الإمكانات وثمل من كأس الغرور وتفاخر على سائر الكائنات، هو اليوم أسير الأمراض وقد صعبت حالته حتى يئس منه من حوله فتعالت أصواتهم بالبكاء والصراخ، ولكن ما عسى ذلك أن يجيده نفعاً. وقد شحن التأريخ بالدروس والعبر بما تضمنه من قصص أصحاب القدرة حين طرحوا على فراش الموت واستسلموا له.
فقد روي أنّ المأمون لما أثقل قال: أخرجوني أشرف على عسكري، وانظر إلى رجالي، وأتبين ملكي، وذلك في الليل، فاخرج فاشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لايزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه، ثم رد إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلًا يشهده لما ثقل، فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه: لاتصح فواللَّه مايفرق بين ربّه وبين ماني في هذا الوقت، ففتح المأمون عينيه من ساعته، وبهما من العظم والكبر الأحمرار ما لم ير مثله قط، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته، فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء، وقد إمتلأت عيناه دموعاً، فانطلق لسانه من ساعته، وقال: يا من لايموت ارحم من يموت، وقضى من ساعته، وحمل إلى طوس فدفن فيها. [٥] وفيه قال الشاعر:
|
هل رأيت النجوم أغنت عن المأ |
مون شيئاً وملكه المأنوس |
|
|
خلفوه بعرصتي طرسوس |
مثل ما خلفوا أباه بطوس |