نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٠ - القسم الرابع عشر حوادث مابعد الموت
زورته، [١] مفرد وحشته».
نعم فاول مايواجهه هو ذلك اللباس المتواضع الخالي من أناقة ملابس الدنيا التي يجهد الخياطون أنفسهم أياماً وأحياناً أسابيع لخيطاتها، فليس هنالك من فصال ولاقياس ولاحاجة لخياط، اللباس الذي لايعرف من معنى للغنى أو الفقر أو الشريف والوضيع. وأخيراً هو اللباس الذي فضح الدنيا وكشف النقاب لمن كان له بصيرة عن تقلب أحوالها وعدم دوامها. أمّا الصورة العنيفة الاخرى التي لها وقعها في النفس فهى حمله على التابوت والانطلاق به إلى مثواه الأخير، دون أن يكون له أية إرادة واختيار، فهو مستسلم لأنّ يطرح في حفرته ويوارى فيها التراب. وبالطبع فانّ هذا الإنسان المناقد اليوم، هو الذي كان بالأمس يأمر وينهى، وربما كانت إشارته كافية لأنّ يندفع له الاف الأفراد، وكان إذا رضى عفى عمن حوله، وإذا غضب أمر بضرب الاعناق وإن كانت بريئة، نعم هذه هى عاقبته ومصيره. وكالمعتاد فقد أسرع الأبناء والأحفاد والأقرباء والأصدقاء والاخوة لحمل التابوت على أكتافهم، إلى أين؟ إلى ذلك المكان الذي طالما كان يخشاه، بل لايجرأ على الإتيان باسمه على لسانه، وإذا مر به أشاح بوجهه عنه، المكان الذي لم يبق له من رابطة باهل هذا العالم، أنّه بيته الموحش المنسي. ثم قال عليه السلام:
«حتّى إذا انصرف المشيّع، ورجع المتفجّع أقعد في حفرته نجيّاً لبهتة [٢] السّؤال، وعثرة الامتحان»
أجل قصيرة هى تلك المدة التي يرافقه فيها الأهل والمعزون، فاخر عهدهم به حين ينزلونه القبر، فاذا واروه التراب ودعوه وتركوه لوحده في حفرته، وسرعان ما يكفكفون دموعهم ويخمد صراخهم حتى ينسوه بالتدريج؛ في حين يعيش هو أصعب اللحظات وعليه أن يعد إجابات لما ستطرحه عليه الملائكة من أسئلة، وهى الاسئلة التي تبدو إجاباتها واضحة، لكنها تتطلب إستعداداً روحياً وعقائدياً؛ الأمر الذي قد لايكون الإنسان قد تزود له، ومن هنا كان الامتحان عسيرا.
العبارة:
«أقعد في حفرته»
إشارة واضحة إلى سؤال القبر الذي سيمر علينا في البحث
[١] «زوره» مصدر بمعين الزيارة واللقاء.
[٢] «بهتة» من مادة بهت الحيرة والاضطراب.