نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - ٢- سؤال القبر
القادم. أمّا قوله عليه السلام:
«نجيا»
فتعني الصوت الخفي، ولعلها إشارة لمناجاته لربّه آنذاك واستغاثته بلطف اللَّه ورحمته، أو الكلام الخفي لعسرة الامتحان والخوف من عدم الإجابة على السؤال.
تأمّلان
١- وداع الأحياء للأموات
إذا مات الإنسان تغيرت كافة أوضاعه بالمرة، فقد كان جزءاً من هذه العالم والجماعة حتى آخر لحظة من حياته، أمّا الآن فلم يعد الأمر كذلك وعليه فالجيمع يسعى لتنحيته من هذا العالم ويسرع في التخلص منه فيودعونه ذلك المكان الذي يحول بينه وبين الدنيا ويقطع علاقته مع أهلها. يالها من لحظات معبرة! ليس له من إرادة، لايستطيع أن يأخذ معه شيئاً، لايسع أحد مساعدته وإن كان من أقرب المقربين. فسرعان ما تحمل جنازته إلى تلك الحفرة الموحشة المظلمة فيوسد فيها تحت التراب، وليس معه سوى ذلك الكفن المتواضع، فلم يعد هنالك من مجال لحمل الاسرة والتيجان ولاالتزين والتفاخر. هنا يوصي أميرَالمؤمنين علي عليه السلام باستحضار هذه اللحظات الحساسة بغية الوقوف بوجه طغيان هذه النفس، كيف تغفلون عما ليس بغافل عنكم. كفى بالموت واعظا، الذي ينقلكم من دار الأهل والانس إلى دار الوحشة والخوف، كفى واعظا بموتى عاينتموهم، حملوا إلى قبورهم غير راكبين، وانزلوا فيها غير نازلين، فكأنّهم لم يكونوا للدنيا عماراً، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم داراً. أوحشوا ما كانوا يوطنون، وأو طنوا ما كانوا يوحشون، لا عن قبيح يستطيعون إنتقالًا، ولا في حسن يستطيعون ازدياداً [١]. حقاً أنّ لحظة ولادة الإنسان ودخوله الدنيا كخروجه منها عبرة لمن إعتبر، فكلاهما يقع بمعزل عن إرادة الإنسان، وليس للإنسان من قدرة على شئ في هاتين الحالتين، ولو تأمل الإنسان هذا الأمر قليلا، لما أصابه مثل ذلك الغرور الطغوى والنسيان. ورد في الديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليه السلام:
|
وفي قبض كف الطفل ولادة |
دليل على الحرص المركب في الحي |
|
|
وفى بسطها عند الممات مواعظ |
ألا فانظروني قد خرجت بلا شئ |