نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦ - الفارق بين الخوارج وأهل الشام
يصبحوا بعده كما لو كان عليه السلام بينهم، أضف إلى ذلك، ليس لديهم القدرة على التحرك ضمن جبهتين، ومن هنا أوصاهم بلم الشمل وتعبئة قواهم وطاقاتهم ضد عدو واحد. ولا سيما أنّ الخوارج كانوا من الناقمين على حكومة معاوية، ولعلهم يقفون إلى جانب المؤمنين في قتالهم لأهل الشام. وناهيك عما سبق فانّ الخوارج كانوا في مركز حكومة أميرالمؤمنين عليه السلام ويشكلون جزءا من الجبهة الداخلية، وعليه فقد كا يسعهم زعزعة هذه الجبهة وتصديع الحالة الأمنية دون أدنى عناء؛ الأمر الذي دفع بالإمام عليه السلام لأنّ يوصي بالكف عن مقاتلتهم بعده. وهكذا يتّضح الرد على ذلك التساؤل المعروف الذي عجز البعض من شرّاح نهج البلاغة عن الرد عليه. فقد أثاروا هذا السؤال: لم قاتل الإمام عليه السلام الخوارج بنفسه بينما نهى أصحابه عن مقاتلتهم بعده؟ لم شهر سيفه بوجوههم بينما نصح أصحابه بغمد السيوف وعدم التعرض لهم؟
ونقول في الجواب على هذا السؤال أنّ الظروف التي كانت سائدة على عهد الإمام عليه السلام تختلف كلياً عنها بعده عليه السلام، والقائد الحكيم ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار هذه الظروف كل يوم، بل كل ساعة فلا يعيش الجمود ويكتفي باسلوب واحد في المجابهة والصراع.
وبغض النظر عما تقدم فانّ الإمام عليه السلام ينكر السبب الذي يقف وراء هذا الاسلوب في المجابهة فيقول «فانّ من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأدركه». فهنالك فارق واضح بين الفريقين؛ فالخوارج حفنة من الجهال ظنت أنّها خرجت من أجل الحقّ، الا أنّ تعصبها وجهلها إنتهى بها إلى الحيرة والضلال، أمّا معاوية ورهطه فانّهم يتجهون عن علم نحو الباطل. وبناءاً على هذا فماذا يسع الإنسان أن يقاتل من هذين الفريقين إذا كان لابدّ له من القتال ويتعذر عليه عملياً مواجهة الفريقين؟
قطعا سيرجح قتال الفريق الثاني، فاذا فرغ منه وتمكن من دحره، آنذاك سيقف بوجه الفريق الأول. ولعل الحديث الذي نقله المبرد في الكامل يشير إلى هذا المعنى من أنّ قتال معاوية وأهل الشام كان أولى من قتال الخوارج، فقد جاء في الحديث أنّ الخوارج قاموا على معاوية بعد شهادة أميرالمؤمنين علي عليه السلام حين كان في الكوفة، فبعث معاوية برسوله إلى الإمام الحسن عليه السلام في الكوفة- وهم بالخروج إلى المدينة- لأن يتصدى للخوارج، فأجابه عليه السلام بانّه كف عن قتاله حقناً لدماء المسلمين، فهل يقاتل الخوارج نيابة عنه وهو يرى أنّه أحق منهم بالقتل. [١]
[١] شرح نهجالبلاغة للعلّامة الخوئي ٤/ ٣٨٣؛ الكامل للمبرد ٢/ ١١٦٤.