نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٢ - القسم الثالث حقيقة الدنيا
من مياهها أكثر إرتفاعاً من سطح الأرض المجاورة لها بحيث يصعب التزود منه، ومن هنا يحفر جزء من ساحل النهر ليمكن الوصول إلى ماءه بسهولة، وتصطلح العرب على هذا الجزء الذي يسهل الوصول إلى الماء بالشريعة أو المشرع حيث ينتهى إلى الماء يطلق عليه المشرب؛ فاذا تلوث المشرب بالطين والوحل أو تلوث الماء بحيث يتعذر التزود منه يعمد إلى إحداث شريعة بصورة مناسبة، أو يجعل عليه قنطرة لحل تلك المشاكل. الغرض هو أن الإمام عليه السلام شبه نعم الدنيا بالماء، إلّاأن المؤسف له هو أنّ الوصول إلى الماء يمر عبر الوحل ونقطة بلوغ الماء كانت موضعاً يلوث الماء، ومن هنا فانّ هذا الماء يدعو إليه العطاش من بعيد، إلّاأنّهم حين يصلوه يرون أنفسهم أمام سيل من المشاكل، فلا يتمكنوا من الحصول على الماء العذب، والحق أنّ هذا هو حال متع الدنيا كالمال والمقام وما إلى ذلك؛ وذلك لأنّ نيل الدنيا يحتم على الإنسان الاغماض عن الكثير من الفضائل الأخلاقية واعتياد الكذب والغدر والخيانة والذل، وكل من هذه الرذائل مستنقع يكمن في طريق الوصول، فاذا وصل اصطدم بأنواع الحسد والطمع؛ الأمر الذي يعكر صفو الماء. ثم قال عليه السلام
«يونق [١] منظرها، ويوبق [٢] مخبرها»
لقد ورد هذا التناقض لظاهر الدنيا وباطنها بعدّة صور في عبارات أئمة العصمة، ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«فإنّما مثل الدنيا مثل الحية: لين مسها، وقاتل سمها» [٣]
ويشبهونها أحياناً بالمرأة الجميلة التي تقتل أزواجها الواحد تلو الآخر. وبالطبع فأنّ أوصاف الدنيا ليست بالخافية على الإنسان اللبيب، فظاهرها أنيق ساحر وباطنها خطر قاتل. ثم قال عليه السلام:
«غرور حائل [٤]، وضوء آفل، [٥] وظل زائل، وسناد [٦] مائل»
ممّا لاشك فيه أنّ الدنيا تنطوي على عناصر الجمال والخداع، إلّاأنّها تنتهي لمجرد أن يريد الإنسان التمتع بها، ومن هنا
[١] «يونق» من مادة «آنق» على وزن شفق يعجب، وقوله عليه السلام «يونق منظرها» إشارة إلى المنظر العجيب للدنيا.
[٢] «يوبق» من مادة «وبوق» يهلك «وموبق» بمعنى مهلك.
[٣] نهجالبلاغة، الرسالة ٦٨.
[٤] «حائل» من مادة «حال» بمعنى التحول والانتقال واطلاق «الحول» على السنة لتحولها. وعليه فالحائلالمتغير.
[٥] «آفل» من مادة «افول» بمعنى الغياب ومنه افول الشمس والقمر غروبهما.
[٦] «سناد» بالكسر ما يستند إليه وهو الدعامة، ولما كانت الدنيا دعامة معوجة ولا يمكن الاستناد إليها عبرت عنها خطبة «سناد مائل».