نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - القسم الثامن الحذر، فالنعم إلى زوال
وغصص الجرض، [١] وتلفت [٢] الاستغاثة بنصرة الحفدة [٣] والاقرباء، والأعزة والقرناء»
فمن خصائص هذا العالم تقلب نعمه ولذاته؛ الأمر الذي يدعو الإنسان إلى عدم الاغترار والخلود إلى الدنيا ويضحي بآخرته من أجلها. فالشباب يسرعون نحو الهرم وغضاضة الشباب آيلة إلى ذبول الكهولة وربيع العمر سينتهي إلى خريف التساقط، وسلامة البدن عرضة للزوال وهجوم الأمراض حتى تلوح علامات الوصول والاقتراب من الآخرة وتبدو واضحة للعيان. ورغم كل هذه الخصائص والعلامات، الا أنّ الذين تعلقوا بالدنيا وإغتروا بها ليسوا بالقليل فلم ينشغلوا فيها سوى ببعض النعم والمتع؛ الأمر الذي يجدر بالتأمل والتوقف عنده! حيث يرى الإنسان كل ملامح فناء الدنيا بأم عينيه ويصر على البقاء. ورد في تأريخ بغداد أنّ السفاح نظر إلى المرآة فقال: اللّهم لا أقول ما قال سليمان بن عبدالملك أني خليفة شاب، لكني أقول: ارزقني عمراً طويلًا بعافية في طاعتك ولم يكديتم حديثه حتى سمع أحد غلمانه يقول لآخر في عقد بينهما أنّ مدته إلى شهرين وخمسة أيام فتطير السفاح من كلامه وكأنه أخبر عما تبقى من عمره، وكان الأمر كذلك [٤]. القرآن من جانبه أكد هذا الأمر وكشف النقاب عنه (وان لم يكن هناك من نقاب في الواقع) فقد أشار كراراً بأمثاله الحية إلى تقلب أحوال الدنيا، ومن ذلك قوله: «إِنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالأَنعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الأَرضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ». [٥]
[١] «جرض» على وزن «خرج» ابتلاع الريق بمشقة إثر الهم والحزن.
[٢] «تلفت» من مادة «لفت» الانصراف عن الشئ.
[٣] «حفدة» من مادة «حفد» على وزن صفد السرعة في العمل، كما تطلق على بنات الولد لسرعتهم في أعمال بيت والدهم ووالدتهم.
[٤] تأريخ بغداد ١٠/ ٤٩.
[٥] سورة يونس/ ٢٤.