نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - القسم الأول العالم على أعتاب الدعوة
الصفات سوى الفتن وليس له من طعام سوى الميتة؛ والمفردة جيفة قد تكون إشارة إلى الوضع الذي كان عليه الناس في عصر الجاهلية حيث كانت ا لعرب تأكل الميتة من شدة الاضطرار فالميتة متعفنة وتدعو إلى الاشمئزاز والنفرة، وقطعا فانّ الحياة في مثل هذه البيئة إنّما تتسم بالتعفن والاشمئزاز، كما كان دخلهم عن طريق شن الغارات ولسراقات وما شابه ذلك من الامور التي يمجها العقل السليم؛ أمّا الدليل على أكل أهل الجاهلية للميتة هو الآية القرآنية التي نهت عن ذلك: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ ...» [١] وبالطبع فانّ المراد بالثمرة والطعام في العبارة الجانب الكنائي. فطعام الإنسان عادة أمّا أن يكون من الثمار أو اللحوم، ولم يكن نصيب الناس في الجاهلية سوى الفتنة والأفكار المتعفنة التي تدعو إلى الاشمئزاز والتقزز؛ ثمراتهم ونعمهم المادية والمعنوية كانت معجونة بالتعفن والفساد والعار. ثم قال عليه السلام:
«وشعارها الخوف، ودثارها السّيف»
فبالالتفات إلى أنّ الشعار يعني الثوب الذي يلي البدن والدثار الثوب الداخلي يتبين أنّ العبارة كناية رائعة ولطيفة مصعمة بالفصاحة والبلاغة لتصوير ظروف ذلك الزمان وسيادة الخوف والسيف من الداخل والخارج، فكل يخشى الآخر، وكل قبيلة تتوقع أن تحمل عليها اخرى فتقتل رجالها وتسبي نسائها وتنهب أموالها.
فكانت السيوف مشهورة على الدوام بسبب ذلك الخوف والخشبية، ولعمري أنّ هذه العبارة قد أشارت إلى كافة أنواع البؤس والشقاء السائدة آنذاك. ومن الطبيعي أن يسود الخوف والرعب أوساط المجتمع الذي تغيب فيه أنوار الهدى وتشع فيه اعلام الضلال والردى ويبتعد فيه الافرد عن تعاليم السماء وإرشادات الأنبياء. أمّا الصورة التي رسمها أميرَالمؤمنين عليه السلام بهذه العبارة التي تعرض إلى خصائص العصر الجاهلي فانّها لاتقتصر على شبه الجزير العربية فحسب، بل تشمل كافة مناطق العالم آنذاك وإن بلغت ذروتها بين قبائل العرب. والحق لايسع خطيب ولاكاتب مهما كانت قدرته على البيان أن يصور فجائع ذلك الزمان وانحرافاته كا صورها الإمام عليه السلام بهذه العبارات المعجزة وهذا ما سنتعرض إليه في الحبث القادم والمؤسف أن هذه الخصائص إنّما تشاهد اليوم بوضوح في عصرنا الراهن الذي تحكمه الجاهليات المعاصرة.
[١] سورة المائدة/ ٣.