نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٤ - القسم الأول العالم على أعتاب الدعوة
قاتل، وهذا ما أكده الإمام عليه السلام في العبارة الثانية
«و طول هجعةٍ [١] من الأمم»،
ولعل هذه الفترة تستبطن امتحان اللَّه للعباد وللوقوف على قدر الأنبياء ونعمته عليهم. مع ذلك فقد كان هناك أثر مباشر لهذه الفترة في تفعيل حركة شياطين الجن والانس؛ وذلك أن الميدان قد خلالهم فشددوا من حملاتهم على الامم والشعوب فجرعوها أنواع الانحرافات والأضاليل ثم قال عليه السلام في العبارة الثالثة:
«و اعتزامٍ [٢] من الفتن»
فقد شبه الإمام عليه السلام الفتن بالإنسان الشرير أو الحيوان الضاري الذي يهجم على الإنسان الأمن دون مبرر؛ وهذا ما كانت عليه الإمام في فترة الرسل.
ثم قال عليه السلام في العبارة الرابعة:
«و انتشارٍ من الأمور»
يمكن أن يكون المراد بهذه العبارة تشتت فعاليات الجماعة البشرية وانشطتها، وبعبارة اخرى ظهور الفوضى والهرج والمرج والاضطراب والتششت في المجتمعات والذي يعد من الفتن والقلاقل. ثم قال عليه السلام:
«و تلظٍّ [٣] منالحروب»
ياله من تشبيه رائع، حيث شبه الحرب بلهيب الانار المحرقة التي تأتي على الأخضر واليابس فتحيله رماداً. كما شبه امتداد الحروب بالسنة النيران. ولو رجعنا قليلا إلى الوراء لرأينا العالم برمته ولا سيما جزيرة العرب أنّه كان مسرحاً للحروب الدامية فقد كانت الحرب قائمة على قدم وساق بين القبائل العربية ولأتفه الأسباب، إلى جانب معارك الروم وايران، فكانت تسيل أودية من الدماء. وقال عليه السلام:
«والدّنيا كاسفة [٤] النّور، ظاهرة الغرور»
فالواقع أنّ نور البشرية ليس إلّانور الوحي ووجود الانبياء، فاذا كانت هناك ظلمة مطلقة تلقي بعتمتها على كل شئ فتستفحل أمراض الخدع والمكر، وتتسع رقعة المذاهب الزائفة ويتلبس الدجالون لباس المسوح والاصلاح فيجدوا في إستغلال الخلق من أجل تحقيق منافعهم المادية. ثم شبه الإمام عليه السلام الناس في الجاهلية بمزرعة قد ذبلت جميع أشجارها
[١] «هجعة» من مادة «هجوع» نوم الليل شبه به وضع الأقوام الجاهلية بالنسبة للهداية لعمقه.
[٢] «اعتزام» من مادة «عزم» العزم والقرار وهو هنا فاعل فتنة.
[٣] «تلظ» من مادة «لظى» بمعنى لهب النار، و «تلظى» بمعنى النار المشتعلة.
[٤] «كاسفة» من مادة «كسوف (» ومنه الكسوف والخسوف الذي تتعرض له الشمس والقمر) وهى هنا كنايةعن إنطفاء أنوار الهداية في العصر الجاهلي.