نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - ابن النابغة الكاذب
بعض أصحابه بغية مواساتهم وتخفيف الهم والغم عن قلوبهم؛ الأمر الذي يشاهد بوضوح في حياة إمامه الرسول الاكرم صلى الله عليه و آله. أما العدو فهذا ديدنه، فهو لايكف عن الكذب والدجل والتشبث بأتفه الذرائع من أجل النيل من الطرف المقابل. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه ليذكر ست صفات رذيلة إتصفت بها سيرة عمرو بن العاص:
«إنّه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيبخل، ويسأل فيلحف، [١] ويخون العهد، ويقطع الإلّ [٢]»
لاشك أنّ كل من يطالع سيرة عمرو بن العاص وسجله الأسود يقف بوضوح على هذه الرذائل في شخصيته.
والخلاصة فقد كان وضيعاً، لايتورع عن إرتكاب أفظع الرذائل من أجل الدنيا والظفر بحطامها، فهو يعد إذا كانت الامور لصالحه، بينما يخلف إذا كانت بضرره. فقد كان يضحي بالغالي والنفيس من أجل الحصول على الدنيا، ولاسيما أمام معاوية الذي كان شديد الحاجة إليه، وهذا ما كان يدفعه إلى إعطائه ما يصبو إليه. أمّا نقضه للعهود والمواثيق فحدث ولا حرج، بل كان لايرحم حتى قرابته ومن له صلته به. وأخيراً دوره في التحكيم ليس بخاف على أحد. قال بعض المؤرخين أنّه عاش تسعين سنة، وذكر اليعقوبي [٣] أنّه عاش تسعين سنة ولما حضرته الوفاة قال لابنه: لود أبوك أنّه مات في غزات ذات السلاسل، إني قد دخلت في امور لاأدري ما حجّتي عنداللَّه فيها. ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال: ياليته كان بعراً، ياليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي عليّ رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي.
على كل حال ليس هنالك من لايعلم بهذه الرذائل التي إنطوت عليها شخصية عمرو بن العاص. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى أرذل الأعمال التي ارتكبها عمرو بن العاص في حياته، العمل الذي إنعدم مثيله في التأريخ، وذلك يوم صفين حين رأى نفسه مقتولا بيد علي عليه السلام فعمد إلى كشف عورته، لأنه كان يعلم بأنّ حياء الإمام عليه السلام لايدعه ينظر إليه في تلك الحالة، فاغتنم تلك
[١] «يلحف» من مادة «الحاف» بمعنى الاصرار والالحاح واصلها من اللحاف وهو الغطاء المعروف، ولما كانالشخص المصر يلف من حوله فقد اطلقت عليه هذ المفردة.
[٢] «الإل»، العهد، والميثاق، كما تعني القرابة، والمراد من قطع الال أن يقطع الرحم.
[٣] تأريخ اليعقوبي (طبق نقل الغدير ٢/ ١٧٥).