نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٠ - ابن النابغة الكاذب
إشارة إلى فساد أسرته، لأنّ العرب كانت تنسب الولد لأُمّه إن كانت مشهورة بالشرف والمجد أو بالوضاعة والفساد، كما تعني مفردة النابغة الظهور والبروز، إلّاأنّها تشير إلى الاشتهار بالفساد إذا أطلقت على المرأة، فقد كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمّة لرجل من عترة اسمها الأصلي سلمى أو ليلى، وقد واقعها أبوسفيان فولدت عمرو، فاختلف فيه حيث واقعها أمية بن خلف وهشام بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي، حيث ادعاه كلهم، فحكمت امّه فيه فقالت: هو من العاص بن وائل، وذلك لأنّ العاص بن ائل كان ينفق عليها كثيراً. وكان أشبه بأبيسفيان الذي قال عنه: أما إني لا أشك أنّي وضعته في رحم امّه، فأبت إلّاالعاص. [١]
الواقع أنّ الإمام عليه السلام قدم بهذه العبارة لما بعدها، بمعنى لاينبغي التعجب من مثل هذا الإنسان الذي يكيل التهم للصالحين ويفتري عليهم الكذب. والمفردة دعابة تفيد كثرة المزاح، وتلعابة من يمازح الناس ويهزل معهم، وأعافس وأمارس بمعنى واحد تقريباً وهو معالجة النساء بالمغازلة، ثم اتخذت معنى أوسع لتطلق على كل هزل ومزاح. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد اختصر بهذه العبارات كافة التهم التي نسبها عمرو بن العاص للإمام عليه السلام زوراً وبهتاناً، لتكون مقدمة للرد عليه. والجدير بالذكر أنّ أعداء الإمام عليه السلام لم يتورعوا عن التشبث بمثل ما ورد في الكلام المذكور لما عجزوا عن الطعن في شخصية الإمام عليه السلام ولم يروا فيه أدنى ضعف، فهو المعروف بعلمه وتقواه وزهده وورعه وشجاعته وصبره وحلمه، فرموه بتهمة المزاح بهدف إثبات عدم جدارته بالخلافة؛ الأمر الذي يثبت صلاحيته وجدارته بها، فهم في ذلك كالمثل المعروف:
«الغريق يتشبث بكل حشيش»،
فعمدوا إلى هذه الذريعة الجوفاء. وبالطبع فاننا سنتحدث في البحث القادم إن شاءاللَّه عن المزاح متى يكون مباحاً أو مذموماً. ثم ردّ الإمام عليه السلام على كذب بن العاص في ذلك الاتهام قائلًا:
«لقد قال باطلًا، ونطق آثماً. أما- وشرّ القول الكذب»
، من يسعه التفكر إلى المزاح اللطيف الذي لايشوبه الباطل والبعيد عن كل إفراط وتفريط؟ ومن يستطيع تجاهل جدية الإمام عليه السلام في خطبه ورسائله وقصار كلماته؟! فقد كان أعظم جدية ممن سواه، كما كان ذا إرادة جبارة في زعامته، وان كان يعمد إلى المزاح مع
[١] ربيع الأبرار للزمخشري، نقلا عن ابن أبي الحديد في شرحه لنهجالبلاغة ٦/ ٢٨٣.