نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - ابن النابغة الكاذب
الأشعرِيون! قال: إنك لتعلم أن الذي وصفتُ دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عكّالأشعريون، فكيف كانت حالك لو جمعكما مأقِطُ الحرب! فقال: يا أبا عبد الله، خُضْ بنا الهزل إلى الجِدّ، إن الجْبن والفرار من عليّ لا عَار على أحدٍ فيهما. [١]
ثم قال عليه السلام ردا على إفتراء عمروبن العاص:
«أما واللّه إنّي ليم نعني من اللّعب ذكر الموت»
فالإمام عليه السلام لايغفل عن الموت طرفة عين، وذلك لأنّ الموت قانون يشمل جميع الخلائق لايعرف الاستثناء ولم يعنى له وقت، ويعلم الإمام عليه السلام على وجه اليقين أن الموت هادم اللذات وأنّ الإنسان يتحول إلى وحش ضاري إذا نسى الموت ومحكمة العدل الإلهي. فهل للإمام عليه السلام من فرصة للمزاح واطلاق العنان للهوى وهو ما عليه من الذكر؟ قطعا لايجوز ذلك على الإمام عليه السلام، بينما لم يدفع ابن البانغة للتفوه بذلك الكلام سوى نسيان الآخرة والغفلة عن الموت:
«و إنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الْآخرة»
نعم إذا كذب أو إفترى ولم يتورع عن القيام بأي عمل من أجل تحقيق مطامعه الدنيوية فذلك معلول لنسيانه الموت والآخرة. وما أسلفنا فان من نسى الآخرة وتجاهل العدل الإلهي أصبح كائنا خطيراً يخشى منه، لأنّه لايتوانى عن ارتكاب أبشع الأعمال دون أن يكترث حتى لشرفه وحيثيته. ثم يستدل عليه السلام على ذلك بقوله:
«إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه أتيّةً، [٢] ويرضخ له على ترك الدّين رضيخةً [٣]»
. فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة إلى تلك الواقعة المعروفة بين الناس والتي أشرنا إليها في الخطبة السادسة والعشرين، والقصة هى: لما نزل علي عليه السلام الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة، كتب إلى معاوية كتاباً يدعوه إلى البيعة أرسل فيه جرير بن عبداللَّه البجلي، فقرأه واغتم بما فيه، وذهبت به أفكاره كل مذهب، وأحب الزيادة في الاستظهار، فاستشار عمرو بن العاص، فكتب له معاوية كتاباً، فسار حتى قدم على معاوية. فقال له معاوية: إنّي أدعوك إلى جهاد علي بن أبيطالب. قال عمرو: واللَّه يا معاوية ما أنت وعلي حملي بعير، ليس له هجرته
[١] روى ابن ابي الحديد ذلك عن المؤرخ المشهور الواقدي (شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ٦/ ٣١٧.
[٢] «الاتية» بمعنى العطية من الايتاء بمعنى الاعطاء.
[٣] «رضيخة» من مادة رضخ، «رضخ» له رضيحة أعطاه قليلا، والمراد بالعبارة أنّ عمرو بن العاص باع آخرتهودينه بذلك المتاع الزهيد من الدنيا، ولاسيما أنّه لم يتمتع بذلك المقام سوى بضع سنوات.