المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٢٥١ - الآية الثانية آية النفر
كان المقتضي موجوداً يحسن الحذر ويجب، ولو لم يكن موجوداً لما حسن ولما وجب.
والحاصل: أنّ مسألة «الحذر» عند الإنذار يدور أمره بين الحسن والقبح، فبما أنّه يكشف عن حسنه، يكشف عن وجوبه، إذ لا معنى لاستحبابه بعد ثبوت مقتضيه.
وعلى ضوء هذه المقدمات: دلّت الآية على لزوم الإنذار على المنذر منفرداً كان أو لا، بحكم المقدمة الأُولى، والمطلوب من الإنذار هو الحذر العملي وتطبيق العمل على قوله، لا الحذر النفساني بحكم المقدمة الثانية، والحذر بهذا المعنى واجب بحكم المقدمة الثالثة، فينتج حجّية قول المنذر غير أنّ الأدلّة دلّت على شرطية الوثاقة.
أقول: إنّ المهم من هذه المقدمات هي المقدمة الأُولى ولكنّها غير ثابتة جدّاً. لأنّ الآية ـ عند الإمعان ـ إرشاد إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد، إذ لولا ذلك لاختلّ النظام، فتقوم عدة للبناء والعمران، وأُخرى للخياطة، وثالثة للفلاحة والزراعة إلى غير ذلك، و لا تشذّ عن ذلك مسألة الإنذار والتعليم وتعلّم العباد فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافّة، لاستلزامه اختلال النظام، ولكن لماذا لا ينفر من كلّ فرقة طائفة وتسدّ ذلك الفراغ الهائل الحاصل من الجهل بالدين.
هذا هو هدف الآية ويدلّ على ذلك أمران:
الأوّل: العناية بلفظة «كافّة» في الجملة الأُولى وأنّه لا يمكن نفر الكافة ولكن في وسعهم نفر البعض، وهذا يعرب عن أنّ الآية مركّزة على مسألة تقسيم العمل، لا على كيفية الإنذار.
الثاني: أنّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني الوثاقة أو العدالة، فكيف توصف بكونها في مقام البيان مع تركها الشرط اللازم، وما أتعب به المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ من قياس الآية بقوله سبحانه: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى )