المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٣٥٠ - الأمر الثالث في الفرق بين الدفع والرفع
به من غير فرق بين الحسّـي والمعنوي ، وأمّا إذا جاء معها، كما في المقام حيث قال: «رفع عن أُمّتي» فيراد منه عدم الاعتداد بالمرفوع كما إذا قال: رفعت عنه الضريبة.
فإذا كان الرفع يتعلّق بالأمر الموجود، بخلاف الدفع ويكفي فيه وجود المقتضى، يقع الكلام فيما هو الموجود الذي تعلّق به الرفع، وهناك وجهان:
الأوّل: إنّ المكره والمضطرّ إليه، والخاطئ والنّاسي والجاهل، كانت محكومة في الشرائع السابقة، بنفس التكاليف التي كانت الطوائف المقابلة لهم محكومة بها، وكانت تلك الشرائع غير محدودة من حيث الزمان حسب الإرادة الاستعمالية وإن كانت محدودة حسب الإرادة الجدّية ـ ولأجل ذلكـ أُطلق الرفع، أي رفع تلك الأحكام الظاهرة في الدوام، وصحَّ أن يقال نسخت أحكام الشرائع السالفة.
ويؤيّد ذلك مضافاً إلى الذكر الحكيم [ ١ ] قوله «عن أُمّتي» وهذه الأحكام أُزيلت بعد الوجود، حسب الظاهر وإن لم يكن الأمر في الواقع كذلك، بل كانت محدودة بتلك الأُمم، فلم يكن هناك حكم حتى يرفع.
الثاني: إنّ إطلاق الرفع لأجل شمول إطلاقات الأدلّة أو عموماتها لهذه الأحوال كلّها، فقوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَة) (المائدة/٣) شامل للمكره والمضطرّ ومثله سائر الأحكام، غير أنّ هذا الشمول كان حسب الظاهر والإرادة الاستعمالية لا الجدّية، فالرفع في المقام بحسب الإرادة الاستعمالية لا الجدّية ولا يلزم من حفظ التكليف حال الجهل، سوى لزوم الاحتياط عنده وكون الاحتمال منجّزاً ليس أمراً محالاً. نعم لا يجري هذا الوجه في الطيرة والوسوسة، فلعلّ المصحح فيهما هو الوجه الأوّل وأنّهما كانا محكومين بأحكام في الشرائع السابقة كما لا يخفى.
وهناك وجه ثالث وهو أنّ استعمال الرفع لا يختص بالإزالة بعد الوجود، بل
[١] (رَبَّنا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسينَا أَوْ أَخْطَأنا رَبَّنَا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لا طاقَةَ لَنَا بِهِ ...)(البقرة/٢٨٦).