المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٢٤٨ - الآية الثانية آية النفر
ولكن يرد عليه: أنّه على خلاف سياق الآية، فالآية واردة في ضمن آيات الجهاد، فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى؟
نعم يمكن الذب عن هذا الإشكال إمّا بالالتزام بنزول هذه الآية مرّتين: مرّة في ثنايا آيات الجهاد ومرّة اُخرى مستقلّة ومنفصلة عن آياته، وليس ذلك بعزيز، فقد نزلت بعض الآيات مرّتين، مثل قوله سبحانه: (ولَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (الضحى/٥).
كما يمكن الذب عنه بوجه آخر وهو أنّ للآية بُعدين يتعلّق واحد منهما بأمر الجهاد والآخر بتحصيل العلم والتفقّه، والأوّل منهما معلوم من سياق الكلام، والآخر بعد مجهول يعلم من تفسير الأئمّة وتبيينهم، ولا مانع من أن يكون لبعض الآيات بعدان أحدهما معلوم والآخر مجهول يحتاج إلى التنبيه.
ثم إنّ العلاّمة الطباطبائي فسّـر الآية بوجه يتّحد مع هذا الوجه، ولكن لا ترد عليه مشكلة عدم إنطباقه على سياق الآيات، وإليك بيانه وإن شئت فاجعله ثالث الوجوه.
الثالث: أنّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول، أن ينفروا إلى الجهاد كافّة بل يحضّهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للتفقّه في الدين، وينفر غيرهم إلى الجهاد، ومعنى الآية أنّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلاّ نفر وخرج إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتعلّموا الفقه ويفهموا الدين فيعملوا به، ولينذروا ـبنشر معارف الدينـ قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون [ ١ ].
وعلى ذلك، فتنفر طائفة للتفقّه في الوقت الذي تنفر طائفة اُخرى للجهاد، فعندما قضيا حاجتهما يتلاقيان في موطنهما للإنذار والحذر. فتكون للآية صلة بالجهاد، وصلة بالتفقّه.
[١]الميزان: ج٢ ص ٤٢٨ بتصرف يسير.