المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٧٤ - الأمر الخامس الموافقة الالتزامية
ترى أنّه سبحانه ينفي عنهم الإيمان إذ لم يكونوا مسلمين لقضاء النبي، وكانوا غير منقادين في أنفسهم من قضائه ونقضه وإبرامه، فخرجوا بذلك عن عداد المؤمنين إلاّ إذا اتّصفوا بوصف التسليم، وهذا هو الحقّ القراح الذي يدور عليه فلك الإيمان وتؤيّده الآيات.
يقول سبحانه: (قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُمْ) (الحجرات/١٤) فهؤلاء أسلموا لساناً لا قلباً، انقادوا ظاهراً لا باطنا.
وبذلك يتبين أنّ هناك فرقاً بين الإسلام الذي تُحقن به الدماء، وتجري عليه المواريث، وتنكح عليه النساء في المجتمع الإسلامي، وبين الإيمان الواقعي بالشريعة وحاملها بما له من خصوصيات.
ففي الأوّل، يكفي أقل القليل وهو الشهادة اللفظية بالتوحيد والرسالة، وإن ترك العمل، فضلاً عن الخضوع والتسليم قلباً وجنانا.
وأمّا الثاني، فيجب وراء إظهار الشهادتين، الخضوع والانقياد القلبي لحامل الشريعة في أُصولها وفروعها على وجه الإجمال.
قال عليّ (عليه السَّلام) : «لأنسبنَّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحدٌ من قبلي، ألا وانّ الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق» [ ١ ] والمراد من الإسلام في كلام عليّ (عليه السَّلام) كما يشعر به ذيل كلامه، هو الإسلام المنقذ، الملازم للاعتقاد والعمل.
٢ـ لا شكّ أنّ الواجبات القربية تفترق عن التوصلية بعد إشتراكهما في لزوم الإتيان بهما عملاً. فإنّ امتثال الأُولى رهن الإتيان بها لوجه اللّه، بخلاف الثانية، إذ يكفي فيها مجرّد العمل، وإن كان العامل غير قاصد، فضلاً عمّـا إذا كان قاصداً،
[١]نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم ١٢٥.