المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٢٥٠ - الآية الثانية آية النفر
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستدلال يتمّ بثبوت أُمور:
الأوّل: أنّ قوله سبحانه: (ولينذروا) يدلّ على وجوب الإنذار. ومقتضى الإطلاق كفاية الإنذار مطلقاً سواء أكان على وجه الانفراد أم كان على وجه الاجتماع.
وإن شئت قلت: أفاد إنذارهم العلم أم لم يفد، كانوا عند الإنذار منفردين أو مجتمعين، بل يمكن أن يقال بانصرافه إلى صورة الإنذار منفرداً لأنّ طبع الحال يقتضي أن يرجع كلّ نافر إلى وطنه وقبيلته، لا اجتماعهم في محلّ وإنذارهم مجتمعين.
وبعبارة أُخرى: «المراد إنذار كلّ واحد من النافرين بعضاً من قومهم، لا إنذار مجموع القوم، ليقال: إنّ إخبار المجموع وإنذارهم يفيد العلم بالواقع، فيخرج عن محل الكلام في بحث حجّية الخبر، وهذا الأمر ثابت لأنّ تقابل الجمع بالجمع ظاهر في التوزيع كما في قوله تعالى: (فاغسلُوا وجُوهَكُمْ وأيْديَكُمْ إلى المرافِقِ) (المائدة/٦) فإنّ المراد منه: أن يغسل كل واحد وجهه ويده لا أن يغسل المجموع وجه المجموع، كما أنّ طبع الحال هو ذلك، لأنّ الطائفة النافرة للتفقّه في الدين، إذا رجعوا إلى أوطانهم، لا يجتمعون ـحسب العادةـ في محل واحد ليرشدوا القوم مجتمعين، بل يذهب كلّ واحد إلى ما يخصّه في المحل» [ ١ ].
الثاني: إنّ المراد من الحذر، ليس هو الحذر النفساني مجرداً عن العمل، بل المراد الحذر العملي وتحصيل المأمن والعمل بقول المنذر.
الثالث: إنّ الحذر وإن ورد بصورة المرجوّ بشهادة كلمة (لعلّ) لكن الرجاء من اللّه لما كان ممتنعاً لاستلزامه الجهل عليه، يتعيّـن حمله على الرجاء الإنشائي، بداعي كونه محبوباً له عند الإنذار، ومحبوبيته لا تنفك عن وجوبه إذ لو
[١]مصباح الأُصول: ٢/١٨٣.