المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٣٣٨ - أ ـ بقوله سبحانه (وَمَا كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)
فما أفاده المحقق النائيني من أنّ الاستدلال بالآية، لا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفي فعلية التعذيب لا الاستحقاق، لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في إستحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة وعدم استحقاقه، لا في فعلية العقاب [ ١ ] غير تام، لأنّ الهدف من القول بالبراءة هو الإفتاء بجواز ارتكاب مشتبه الحكم، سواء كان استحق العقاب وعُفِيَ عنه أم لم يستحق، نعم الهدف من البراءة العقلية هو نفي الاستحقاق، وأمّا البراءة الشرعية فالهدف أعم، فلاحظ.
أضف إلى ذلك: أنّ ظاهر الآية هو نفي الاستحقاق وأنّ التعذيب قبل البيان، لا يليق بشأنه وساحته، لأنّه أمر قبيح وظلم وعدوان، فيكون ملازماً لنفي الاستحقاق وأنّ التعذيب مخالف للعدل والقسط.
نعم: لو فسرت الآية، بأنّ التعذيب مخالف للطفه ورحمته، لكان لذاك التوهّم مجال.
هذا حال الآيتين، وأمّا الآيات الأُخر الواردة في هذا الصنف فقوله تعالى: (وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَريَة إلاّ لَها مُنذِرُون) (الشعراء/٢٠٨) يشعر بأنّ الهلاك، كان بعد الإنذار والتخويف، وأنّ شرطه الإنذار، وهو كناية عن البيان وإتمام الحجّة.
ومثله الآية الرابعة: (وَ لَوْ أنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنَا لَولا أَرْسَلْتَ إلَينا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) (طه/١٣٤) فتدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود باحتجاج العباد المذنبين الواردة في الآية وهي قولهم: (لَولا أَرْسَلْتَ إلَينا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ)فلا يصحّ التعذيب، إلاّ بعد إتمام الحجّة عليهم ببعث الرسل .
ويليها في الدلالة قوله سبحانه:
٥ـ (يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبيِّـنُ لَكُمْ عَلى فَتْـرَة مِنَ الرُّسِلِ أنْ )
[١] فوائد الأُصول: ٣/ ٣٣٤.