المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٢٣٨ - الأوّل عموم التعليل مانع عن تمامية دلالة الآية
قلت: إنّ إقدامهم على العمل كان لأجل عدم وقوفهم على حال الوليد، وإلاّ لما ركنوا على قوله، وربّما يحمل على هذا قوله سبحانه: (إنَّما التوْبَةُ على اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ)(النساء/١٧).
وقوله سبحانه: (أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفورٌ رَحِيم)(الأنعام/٥٤).
وقوله سبحانه: (ثمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعدِ ذَلِكَ وَأصلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعدِها لغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل/١١٩).
وليست الجهالة في هذه الآيات بمعنى عدم العلم، وإنّما هي بمعنى السفاهة أي العمل الذي لا يرغب فيه العاقل.
أقول: ليس في المعاجم ما يشير إلى تفسير الجهالة بالسفاهة إلاّ في كلام الراغب، قال في لسان العرب: الجهالة: أن تفعل فعلاً بغير علم. وقال الراغب في مفرداته: إنَّ الجهل على ثلاثة أضرب: الثالث فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل. ثم استشهد بقوله: (أن تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة) وقال في القاموس: جهله جهلاً وجهالة ضد علمه. وقال في أقرب الموارد: الجهالة ضدّ العلم والمعرفة.
ولكن فيما ذكرنا من الآيات غنى وكفاية فإنّ المراد أنّ الذين يرتكبون السوء ويعدّ عملهم عملاً ضد العلم والعقل فإذا تابوا، على اللّه أن يقبل توبتهم.
ويظهر من الأدب العربي في صدر الإسلام وما قبله، أنّ لفظ الجهل ربّما يستعمل في عمل يضاد الحكمة والحلم. وإليك نماذج من ذلك.
قال عمرو بن كلثوم التغلبي أحد الشعراء الجاهليين صاحب المعلّقة:
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا [ ١ ]
[١]المعلّقات السبع، معلّقة عمرو بن كلثوم ص ١.